تشومسكي والمقصلة الإبستينية | 6 فبراير 2026

 

تشومسكي والمقصلة الإبستينية

يعد العالم والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أحد أبرز المثقفين الفاعلين على مستوى العالم، فهو عالم لسانيات، وناقد سياسي، وباحث تاريخي نبش المقبور من الأسئلة المحرمة والمليئة بالشوك والحسك في العالم الغربي عموما، وفي الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا. كما أنه أثر تأثيرا حقيقيا وملموسا في علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي التي جاءت بعد حين، فهو من رواد الفكر في القرن العشرين، والذي امتدت حياته لحسن حظنا حتى اليوم، بذات الشغف والإنتاج والعبقرية الفذة في ملاحظة البذور في تكوينها الأول، وقبل أن يشب عودها. جمع تشومسكي المتناقضات -أو هكذا يبدو- فهو يهوديٌّ، أسلافه من المهاجرين من أوروبا الشرقية، وكان على الدوام من النخب العليا في الولايات المتحدة، بفضل بحوثه وكتبه ومقالاته، وبفضل مسيرته الأكاديمية لخمسة عقود كأستاذ في معهد ماساتشوستس للتقنية، ثم عقدين آخرين كأستاذ محاضر وأستاذ فخري؛ أي أن عمله كأكاديمي تجاوز السبعة عقود من العمل الجاد. ومن الندرة بمكان أن يستمر الإنتاج المعرفي لشخصية ما بذات القوة والجِدة في مجال صعب ومتجدد حتى بعد بلوغه التسعين من العمر.


أما حديثي عن المتناقضات التي اجتمعت في هذا الرجل، فليس أقلها أنه من أشد المعادين للصهيونية والناقدين لها. كما أنه من أكثر الأصوات الناقدة للهيمنة الأمريكية واستمرار العنصرية والاستعمار الإمبريالي تحت أغطية وأقنعة متعددة الألوان والأسماء، ويندر أن تجد هذا من شخصية ذات خلفية دينية يهودية، وفي أمريكا!. فضلا عن كونه من الشخصيات الفكرية النخبوية البارزة، والتي عادة تكون مدعومة من أطياف رأسمالية-سياسية تشترط الدعم المطلق واللامحدود لسياساتها، وتلميع تلك السياسات عبر تمييع المصطلحات وإخفاء الممارسات الشريرة بغربال لا يغطي الشمس، حتى وإن منح ظلا بدا كافيا نافعا لبعض الوقت.


الشراسة المنهجية لتشومسكي الذي قَدِمَ من الجيل الصامت، وهم الذين نشؤوا في مرحلة مضطربة من القرن العشرين، والتي جمعت الكساد الكبير، ثم الحرب العالمية الثانية وما بعدها، وأخيرا إرهاصات الحرب الباردة التي استمرت حتى انهيار الاتحاد السوفييتي. هذه الحقبة التي أكسبت تشومسكي منهجيته البنيوية التحليلية الصارمة، وشغفه بالنظر في التفاصيل وتحت الجلد الظاهري للسياسة الأمريكية الخارجية، وللشعوب المضطهدة حول العالم، جعلته باردا إزاء محاولات الاستمالة، وحادا في نظرته للأمور لما اكتسبه من تجارب عملية طويلة في مراقصة الثعالب، وكشف حبائلها.


هذه السيرة المختلفة لشخصية غير اعتيادة بالمرة، جعلته محط اهتمام واستهداف في ذات الوقت. وهو الذي كان ينقد المنظومة نقدا جذريا عميقا من داخلها، لا من الخارج فحسب أو دون برهان. لذلك لم يكن غريبا أن تنتفض بعض الأوساط الثقافية المناوئة له، خصوصا وأن له عددا وافرا من الخصوم السياسيين ومن يتبعهم من مثقفين، بعد كشف ملفات إبستين نتيجة للتراكم القانوني والسياسي والإعلامي الطويل جدا على مدى سنوات كثيرة من الضغط المتواصل من شخصيات استقصائية تجيد الولوج إلى مكامن الشك والشوك، كقضية إبستين المعقدة نتيجة لارتباطها بصفوة ونخبة المجتمع السياسي-الاقتصادي-الثقافي والأكاديمي، وهو ما لا يمكن تفصيله في هذه المقالة التي ليس موضوعها الرئيس كشف بذور وجذور وثمار قضية إبستين، بل هي تتحدث وتحاول معالجة مسألة استغلال قضايا كهذه في الاغتيال الأكاديمي-الثقافي ومصداقية الشخصية المستهدفة والدوافع خلف ذلك.


ظهر اسم نعوم تشومسكي بشكل موثق في الملفات المفرج عنها مؤخرا والمتعلقة بالقضية، لكن؛ هل ظهور اسم شخصية ما يعني تورطها؟ وكيف يمكن استغلال ظهور اسم ما من قبل المناوئين والمناصرين على السواء؟. إن ظهور اسم شخصية ما في أي قضية حساسة وصادمة أو سيئة السمعة والصيت، تعتمد بشكل كلي على إن كانت تلك المعلومات تخدم البناء أو الهدم للشخصية المذكورة، وقد حدث فعلا. فبعد انتشار الملفات وضجيج منصات التواصل الاجتماعي بها خصوصا منصة X- نجد التباين الحاد في قراءة ورود اسم له ثقله الكبير علميا، ثقافيا، سياسيا، كنعوم تشومسكي، فما هي الخلاصة؟.


يجب أن نتفق أولا، أن ورود اسم أي إنسان كان، ذكرا كان أم أنثى في بيانات متعلقة بشخصية، شركة، مؤسسة تبين فيما بعد تورطها بالفساد، لا يعني أن ذلك الإنسان فاسد بالضرورة. فهل يمكن القول أن من اشترى سيارة من وكالة نيسان للسيارات في فترة رئاسة كارلوس غصن لإدارتها؛ أنه فاسد بالضرورة لأن غصن تم اعتقاله نتيجة لتهم الفساد؟ أو أن شخصية ما التقت أو راسلت غصن نفسه، فاسدةٌ نتيجة لأنها راسلت أو تواصلت أو التقت بشخصية فاسدة؟ فهذا من الحماقة بمكان. فورود اسم تشومسكي في هذه الملفات لا يعني تورطه جنائيا أو قانونيا، حتى الآن على الأقل. لكن لماذا قد يلتقي تشومسكي بإبستين أصلا؟.


إن مما لا يمكن إغفاله بحال من الأحوال، أن إبستين لم يكن وكيل جرائم جنسية فحسب، فهذا وجه من وجوهه وهو الذي أطاح به؛ لكنه كان وسيطا للنُخب ويُقدَّم باعتباره ممولا سخيا للأبحاث، وجامعا للمفكرين والعلماء من مختلف الأطياف والمجالات. وبعبارة أخرى، يمكن أن نقول أنه كان حلقة الوصل بين المال والعلم، أو الفكر. وهو ما أتاح له لقاء كثير من النخب الثقافية والأكاديمية بهذه الصفة التي لا تجعله شخصا سيئا -في هذا السياق- بل شخصية تستدعي الاحترام والتقدير لمن لم يطلع على خبايا وخفايا هذه الشخصية آنذاك.


ثم إن اعتبار اللقاءات الفكرية والثقافية والاجتماعية، لا تعني شهادة اعتراف وتزكية تمنحها الشخصية معروفة المصداقية لمن تلتقي وتجتمع بهم، فضلا عن أن تكون تلك الأحاديث واللقاءات -مثلا- بمثابة موافقة أخلاقية أو صك غفران. فقد اعتاد المفكرون الكبار -وتشومسكي منهم- على نقاش ومحاورة الخصوم الأيديولوجيين والساسة والعساكر الذين يختلفون معهم أصلا، باعتبار الحوار منصة لمعرفة كيفية تفكير الشخص الآخر ولا تعني بالضرورة دعما أو قبولا لها. ومثال ذلك هي المحاورة الشهيرة التي جمعت شخصيتين بارزتين فكريا في العالم الغربي وهما ميشيل فوكو ونعوم تشومسكي عام 1971م في ذروة الحرب الباردة والحرب الأمريكية على فيتنام وصعود الحركات اليسارية والطلابية خصوصا نتيجة للتوترات التي لم تهدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. نظم المفكر والمثقف الهولندي فونس إلدرس هذه المحاورة في التلفزيون الهولندي وبحضور جماهيري فاعل، ولم تكن من نوع المناظرات التي تهدف لإسقاط الخصم وتهشيمه بالحجج؛ بل كانت أشبه بالمحاورة ورؤية الأشياء من مدرستين متعارضتين منهجيا وتشكلان طرفي نقيض، وهي المحاورة المطبوعة والمترجمة الصادرة عن دار التنوير بعنوان "عن الطبيعة الإنسانية".


عن ماذا كانت النقاشات التي جرت بين تشومسكي وإبستين إذن؟. وفقا للمنشور من الوثائق حتى الآن، فقد كانت نقاشاتهما حول موضوعات مختلفة متنوعة حول السياسة والأحداث العسكرية كالحرب على داعش وملفات سوريا-تركيا، ونقاشات عن الإعلام، وشبكات النفوذ والقوة، فضلا عن شيء شخصي واحد هو مسألة تركة زوجة تشومسكي الراحلة كارول.


لكن ما يتم استخدامه حاليا، هو ما يذكره الدكتور عادل مصطفى في تبيان مغالطة guilt by association وذلك في كتابه "المغالطات المنطقية" في الفصل الخامس والعشرين منه حيث يقول

"يقع المرء في هذه المغالطة حين يذهب إلى أن رأيًا ما هو باطلٌ بالضرورة بالنظر إلى معتنقيه، أو أن دعوى معينة هي كاذبةٌ لا لشيءٍ إلا لأن أناسًا يبغَضُهم يقبلونها ويأخذون بها، فيعمد إلى رفض الدعوى؛ لأنَّها «مرتبطةٌ» في ذهنه بما لا يحب. تستمد هذه المغالطةُ سطوتها من ميلٍ فطري لدى البشر جميعًا؛ فالإنسان لا يحب أن يُقرن بمن لا يحب، لكأنما الحق أو الباطل ينتقل ﺑ «التداعي» association من أصحابِ الشيء إلى الشيء، أو من أنصار الرأي إلى الرأي...إن نفور المرء من أن يُقرن بمن يبغضهم هو أمرٌ سيكولوجي لا دخل له بصدق القضايا، ولا يُبرِّر رفض أي دعوى، إن سَفِلَة الناس يعتقدون (شأنهم شأن عليتهم) بكروية الأرض فهل ينال ذلك من هذه الحقيقة؟! أو هل ينبغي أن يسُوءنا الاقتران بهم حين نعتقد في هذا الأمر اعتقادَهم؟!. -ومن الأمثلة على ذلك- كان هتلر نباتيًّا؛ إذن النباتية إثمٌ ينبغي اجتنابه".


وفي العموم، فإن صوتا مهما بنتاجه المعرفي والثقافي الأصيل في تفتيت شرعنة القتل والنهب وشريعة الغاب التي تتخذها الولايات الأمريكية وبعض الدول الأوروبية شِرعة ومنهاجا في التعامل مع دول وشعوب العالم الأضعف، هو صوت ينبغي أن تتحين الفرص لإسكاته عمليا وثقافيا بشتى الطرق، فكيف وقد جاءت فرصة ذهبية كهذه الملفات؟. ولكن لو افترضنا أن قد ثبت شيء على تشومسكي، فهذا لا ينفي بحال أهمية نتاجه الثقافي المعرفي والفكري خصوصا في مسائل اللغة وتعرية الشرور الإمبريالية تحت غطاء نشر الديمقراطية والحريات والحقوق لشعوب العالم الثالث، والتي وبمحض المصادفة الصرفة، تمتلك من الموارد ما يهم الولايات المتحدة وشريكاتها.


تعليقات

المشاركات الشائعة