الحسناء التي يريدها الجميع | 24 يونيو 2026
الحسناء التي يريدها الجميع
في التاريخ، كما
في الحاضر، يتسابق الناس على الأشياء الثمينة، النادرة، الباهرة، والتي تفوق المستوى
المتوسط؛ فكيف إن كانت تفوقه بدرجات لا درجة، ومراتب لا مرتبة، فالحال حينها يكون
قسريا، كمن يتابع فيلما بوليسيا يريد معرفة نهايته وحل حبكته قبل أن تتبدى الصورة
العامة للفيلم. ثم يزعم الناس بعد ذلك، صادقين أو مدعين أنهم حصلوا على تلك النوادر
البارعة، واللُّقى النادرة، ومن لم ينلها، فإنما يدّعيها نسبةً أو يُلصق اسمها
باسمه، وذكرها بذكره، كأنما حازها دون سواه من العالمين.
كنت قد شرعت في
الكتابة، والفكرة في ذهني قد تخمرت، والعبارة في عقلي رُتِّبت وانتظمت، وكعادتي
اليومية في قراءة شيء يسير، ولو فصل واحد من كتاب، أو قصيدة -على الأقل- إن كانت
المشاغل متراكمة، والأعمال منذ الصباح حتى النوم متراصَّة متتالية. والليلة حينها،
ليلةُ تعبٍ ومشقة، فلا الذهن مُتقدٌ، ولا العين قادرة على عملها، وكل عضو من جسدي
يصرخُ بملئ فيه، النومَ، النومَ.
أردت قراءة شيء
مختلف هذه المرة، شيء أعرفه ويعرفني، ويروق لي ولا أدري إن كنت أروق له، وهي
الكتابات العالية السامقة، الفصيحة الحكيمة، فلم أجد بُدًّا من أن أقرأ لثلاثة
أحبهم، وكبار أُجِلُّهم وأُقدِّرهم، وأعمدة لا يقوم الأدب إلا عليهم، وأركان لا
يستقيم البناء إلا بهم، الجاحظ، والتوحيدي، والمعرِّي. ففي أسفار هؤلاء لا تجد
أدبا دون عقل، ولا حكمة دون وزن، ولا نقدا دون نظر، بل تجده كله، ومعه حُسْنُ
العبارة، وطرفةٌ وإشارة، ومقابسةٌ وإثارة. فلا تتناول كتابا من كتبهم، إلا ويداك
تعاندانك وإن كان بدنك مرهقا، وعيناك تصارعانك وإن كان النوم سلطانا، وعقلك متلهفٌ
متحفز وإن كانت مشاغل اليوم أعيته، ولقمة العيش صارعته وراودته.
فأخذت كتاب أبي
حيَّان التوحيديِّ "المقابسات"، ونظرت في تعليقاتي على الصفحات من
قراءات سابقة، ولطخات قلمي هنا وهناك في فترات متباعدة، فإذا بي كمن وجد الماء بعد
عطش، والملجأ بعد لأي، والظلَّ الوارف بعد حَرور. فأما عن أسلوب الكتابة والرَّصف،
والإشارةِ والوَصف، فما هي إلا من أثر قراءة التوحيدي حين وقعت على قوله
"الألفاظ تقع في السمع، فكُلَّما اختلفت كانت أحلى. والمعاني تقعُ في النفس، فكُلَّما
اتفقت كانت أَجلى". وأما عن تقييد الخاطرةِ الواردة والسانحةِ المتواردة، فما
هي إلا من حوزته، وفائض عبارته، ففي مقابسته السابعة يورد "هذه الخواطِر
والسوانِح، على لُطفها ودِقَّتِها وشِدَّة خَفائها وغُموضِ مَشارِبِها، تَبدو
وتَظهر وتَقوى وتَكثُر، حتى يُعرَفُ منها الشيء بعدَ الشيء، باللَّحظِ والسِّحنَة
والتَّلفُّتِ وضُروبِ شكلِ الوجه، فكيفَ ما ابتَذَلَهُ اللِّسان، ونَسَخَتْهُ العِبَارة،
وظَعَنَ مِنْ مَكانٍ إلى مَكَان".
أمَّا عن الحسناءِ
التي قصدت، والفاتِنَةِ التي إليها لا إلى غيرها أَشَرتُ، فأقول.
إن من محاسن
الأشياء ومساوئها، أن يبدو الشيء سهل المنال، طوعا للنائلِ، قريبًا من يَدِ
المُتناوِل. ومن ذاك، أن العلوم تقاربت فيما بينها واقتربت، والمشارب وإن تنوَّعت
فلا نكاد إلا أن نقول أنها توحَّدت واتَّحدت، فيَسْتَسْهِلُهِا المُتعالم، ويَسْتَصْعِبُهَا
الطَّالِبُ الذي يُدرِكُ ويَعرِفُ في نَفْسِهِ الجَهْلَ والنُّقْصَان، فيرتمي إلى
الموارد مُتَعَلِّمًا لا مُعلِّما، ومُريدًا لا مُرشدا، ناهِلا منها ما استطاع.
والحسناءُ لا مكانَ واحدٌ لها مقصورة فيه، ولا جزيرة أو بيتا مقتصرة عليه، بل لِكُلِّ
مَنزِلٍ حسناؤُه، وفي كُلِّ فَنٍّ سيِّدتُه وغَيداؤه.
ولأجل ذلك بالذات
أكتب، فلعلم النفس -كما الفلسفة- مُزيته التي ترنو كشف الأسرار والحُجُب، وتحاول
الاقتراب من النائي وإن بَعُد. ولكن مربط الفرس، وأُسَّ المشكلة، أن تتحول المادة
المعرفية من مادة تحاول أن تُبصِّرَ المُتلقي بشَطْرٍ من الحقيقة أو كشفٍ من
الكشوفات التي تَوَصَّلَ إليها الكاتب، أو صاحب المعرفة؛ إلى أداةٍ استعراضية
للمفاهيم، وابتذالٍ معرفيٍّ، ومحاولةِ الإحاطةِ بذهنِ المُتَلَقِّي بسِحرِ البيان،
لا بِحَقيقَةِ البُرهان. فعلمُ النفسِ والفلسفةُ على سبيل المثال لا الحصر، مجالان
معرفيان لهما أسسهما التي تأسست عليهما، ثم جاء مَن بَعدَهُم وتجاوزوا مرحلة
التأسيس تلك، ثم جاء آخرون ونقضوا تلك المدرسة والطريقةَ وتجاوزوها، فمِنَ المعيب
والحال كذلك أن يُنظر إلى هذا كله بوصفه رهينة معرفية وابتزازا ثقافيا يُمَارَس
بوعي من قِبَلِ مَن يَعرِف على مَن لا يَعرِف. وهو ما يمارسه أولئك الشعبويون
الذين ينظرون إلى المسألة بوصفها مسرحا جماهيريا، ومصنعا للأتباع.
فعبارات من قبيل
"علم النفس يقول.."، "في الفلسفة كذا وكذا"، "أجمع
الفلاسفة على.."، "يرى علماء النفس بأن.." أو عبارات تُشتقُّ من
المورد الصحيح، لكنها تُوضَع في موضعٍ مبتور كأن يتم اقتطاع جزء من التوصيف العلمي
لحالة مشخصة طبيا، وتوضع في سياق غير صحيح ألبتة بدافع النيل من شخص آخر، أو
استغفال واستغباء المتلقي. بمعنى، قد تتفق أن تتبدى لدى شخص ما، بعض أعراض اضطراب
الشخصية النرجسية المتفقة مع التشخيص الإكلينيكي، واستنادا إلى التوصيف المعياري الذي
يتَّبِعُهُ مختصو الصحة النفسية في أمريكا المعروف بـ
DSM-5-TR
-في إصداره الأخير- الذي يشترط -وفقا لظروف معيارية- ثبوت إصابة المريض بخمسة من
تسعة أعراض ليُقال بأنه مُصاب باضطراب الشخصية النرجسية "نَرجِسِيٌّ".
لكن، قد يستعمل غير المختص والذي يستعمل ورقة علم النفس ليكسو حديثه أهميةً لدى
المتلقي، فيقول بأن فلانا نَرجِسِيٌّ لأنه "متمحور حول ذاته"، أو لأن
لديه "شعورا دائما بالعَظَمَة" أو لأنه "يعتقد أنه شخص استثنائي لم
يُخلق مثله أحد". وهذه الأعراض صحيحة في مُجملها، لكنَّ الإخلال بالشروط
المعيارية التي يتَّبِعُهَا المُختصُّون، وما لم تصدُر عن شخص مُختصٍّ، فلا تعدو
كونها هُراء محضا لا يتستحق الالتفات إليه.
لكن لماذا يفعل
البعض ذلك بالذات؟ أقصد، لماذا يستعملون علم النفس كأنهم مختصون فيه؟ أو الفلسفة؟
وما أشبه ذلك؟. لأنها سُلْطَةٌ رمزيَّةٌ ببساطة. فاللاوعي، والوجود، والمُطلق،
والنسبية، والإبستمولوجيا، والأنطولوجيا، والأنطولوجيا والفينومينولوجيا وما حذا
حذوها وأشبهها من كلمات؛ تجعل المُتَلَقِّي مُتَرَقِّبًا لما سيقوله المؤسس للخطاب،
الذي يبدو في هيأة مَن يملك المعرفة والعلم، وهو يفعل ذلك ببراعة المحتالين بطبيعة
الحال. والإنسان ضعيف بطبعه أمام المعرفة، وإلا لماذا نأخذ بعض المصائب على
عواهنها حين تصدر من شخص لَهُ ما لَهُ مكانةٍ وهيبةٍ وهالة، فكيف لو أضفنا إلى تلك
الهالَةِ ألقابًا مِن قَبيل "الفيلسوف"، "الدكتور"،
"عالم النفس" وغيرها من الألقاب التي لا تكون في موضعها عند هؤلاء
المحتالين المُدَّعين. فالمصيبة هنا إرادة الظهور بمظهر الذي يعرف ويَعِي، لا في
امتلاك تلك المعرفة والوعي ومَنْحِهَا للناسِ تبصيرًا لهم لِمَا تَوَصَّلَ إليهِ مُؤسسُ
الخِطاب وفقا لتخصصه وتَعَمُّقِهِ وانكبابه على الباب الذي نَذَرَ حياته له، بل في
المكاسب التي يكتسبها بغير وجه حقٍّ من حيث عدم اختصاصه، فضلا عن عدم صدقه. لأنه
يَتَّكَسَّبُ مما يقوله، وإن كان ذلك الكَسبُ معنويا، كالمكانة أو شهوة أن يُسمَعَ
قَولُه، كيفما اتَّفَق، ويُؤخذَ كلامه على عواهنه بلا تمحيص، ولا اجتهاد مِن
قِبَله.
أتحدث عن علم النفس
لأنه اكتسب ويكتسب أهمية متزايدة كل يوم، فمن الأفعال الواعية واللاواعية، إلى
تفكيك النص وما وراء الكلمات، واصطياد خفايا الأفكار، والتبصُّر
لـ"السحاليف" التي تأتي في سياق الكلام وكأنها شيءٌ طبيعيٌّ اعتيادي،
وهي في حقيقتها سُمِّيَّاتٍ مُغلَّفة بغلافٍ برَّاق يُخفي تلك السُمِّيَّاتٍ. ومثال
ذلك، أن يقول أحدٌ ما لشخص اجتهد ويجتهد في كَسبِهِ الحلال "أنت تُمَثِّلُ لي
الحظ في أبهى تَجلِّياته" ففي هذه الجُملة "سَحلوفٌ" لا يكاد يُرى،
وهو نفي كل ما قام به فلان ليصل إلى ما وصل إليه باجتهاده وتشميره لسواعد الجد. أو
أن يُقَال "أول مرَّة أشوف عماني مجتهد كذا" ففيها سحلوفٌ يبدو وكأنه
مديح وإطراء، ولكنَّ وراءه احتقار ونظرة فوقية، وهذا المثال بعينه سمعته من مَريض
من المرضى ذات يوم وهو يَحسَبُ أنه يقول للمُخاطَبِ شيئا جميلا، وهو يَحسَبُ أنه
يُحسِنُ صُنعا. فالتَّبَصُّرُ لهذه السَّحاليف -كما أُحِبُّ تسميتها- يكشِفُ لك ما
وراءها من اعتقادات ومشاعر وعالَمٍ كامل مما يبدو خافيا عن السامع في ظَنِّ
المُتَكَلِّم، ولكن ليَمِيزَ المرءُ الخَبيثَ مِنَ الطَّيبِ قولًا وعملا واعتقادا،
فلا بُدَّ أن تعلق بالمرء أدرانٌ إن هو سَمَحَ لنفسه أن لا يَعزِلَ نفسَهُ عنها،
وأصحابها.
هكذا تتبدى الحسناءُ (علم النفس) التي يَخطبُ ودَّها الجميع، لكنها تتأبَّى غير راضية بأقلَّ من الاختصاص، الصدق، والبصيرة النافعة، وهي دائمة الرَّوَغان عن كل من يخطبُ الودَّ دون ثمنه الأوحد، ولو كان بودلير زمانه، أو تشومسكي موسوعيته، أو دي مونتين شغفه واعتزاله. فكما قال الشاعر
وَلا خَيْرَ فِي قولٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ... عَليمٌ إِذا ما أَورَدَ الأَمرَ أَصدَرا
تعليقات
إرسال تعليق