العمل، الحياة، الثقافة.. بماذا أُضَحِّي؟ | 05 يوليو 2026
العمل،
الحياة، الثقافة.. بماذا أُضَحِّي؟
يبدأ الشاب المثقف والمحب
للثقافة حياته بالقراءة، وتغدو الثقافة والقراءة والكتب هي المُبتَدَأ والمُنْتَهَى،
فلا يرى في الوجود مقياسا غيرها، ولا ميزانا مثلها، ولا قيمة لشيء أو إنسان إلا
بها. تخرج الحيوانات الأسطورية من قراءاته، وتتعارك الأمم والأبطال أمامه، ويتمثّل
قيسا وليلى، وخالد بن الوليد أو بسمارك، ويتقمص أرسطو فيما وفق له، وسقراط فيما
قاساه وعاناه، وفي كل هذه التنقلات لا يرى في نفسه أكثر من روح تتنقل بين المنازل،
وتلك الشخصيات والأحداث فصولا تتقلب، ومواسم تتغير، وهو قابع في مكانه لا يبرحه، تُسافر
روحه وذهنه معها وفيها، وتظل حياته بجذورها في موطنها وموقعها.
ثم تبدأ أسئلة الحياة..
مَن أنا؟ ماذا أكون؟ وماذا
أريد؟. يكتشف أنه ليس هولاكو، ولم يصبح من البرمكيين أو ابن مقلة أو ابن العميد،
وإن شئت، لم يصبح هنري كيسنجر الجديد. كما أن طه حسين لم يكن مشغولا بجلب الطماطم
أو الخس والفجل أو بمواسم الجِداد والقيظ، فكيف يصبح مثله؟. ورويدا رويدا، يتضح
مساره؛ إحجام أم إقبال؟
هذا السؤال الفلسفي القابع
في أعماق كينونته، لا يفتأ ينكأ جرحه تارة تلو أخرى. وتغدو المسارات أصعبَ، مليئة
بالغَبَش. حينها يلتفت إلى الحياة بمعمعتها وتحدياتها ومتطلباتها، تاركا الثقافة
وراءه ظِهريًّا. أو يترك الحياة بمن فيها، متخليا عن عائلته وبيته ومجتمعه، ناظرا
إليهم نظرةَ العارِفِ إلى الجاهل. فيرى رُبطة القَتِّ، وتَرعِيلَ الثُّوم، وتغيير
أنبوب الماء المنكسر، أو حنفية دورة المياه التالفة ضربا من العبث الذي لا يليق
بمثقف أن يشتغل به، ويُنفق فيه وقتا وجهدا.
ثم تلطمه الحياة..
لا هو من المجتمع ببساطته ومتطلباته
وحياته، ولا المجتمع يرى فيهِ شيئا منه، فيراهم صغارا، ويرونه صغيرا. لتعود سؤالات
البداية مرة أخرى، وسؤالات الهوية والكينونة.
في 31 مايو 2026، نشرتُ في
مدونتي مقالة بعنوان "الثقافة والتشوهات المعرفية" جادلتُ فيها بأن
الثقافة ليست جرَّة تُفتح متى شئنا، ونغلقها متى شئنا، أو كتابا في رَف؛ بل هي
أسلوب حياة. ولأنها أسلوب، فهي تذوبُ في صاحبها وأفعاله وخطواته ومآلات اختياراته،
فإن كان ذهنه متقدا ممتلئا بالخير، فهي تمسك بيده قائدةً إيَّاهُ نحو الخير، وإلا
فالعكس.
فالحياة ملأى بالخير والشر،
والغارق في أحدهما لا يرى الحوض الآخر، أما المتصالح مع ذاته فيرى في الخيرِ بذرةً
قابلة لأن تغدو شجرة، وفي الشرِّ معدنا يجلو عنه الصدأ فيغدوا سيفا صقيلا، أو
إبرةً تحمي إنسانا من الهلاك.
ومكمن التشوه المعرفي وأُسُّهُ
في السؤال "بماذا أضحي؟"، فالتضحية تكون في الأشياء المتضادة المتعارضة،
لا في أشياء الأصلُ فيها التآلف والتآزر. فالتأثير لا يُقاسُ بإحداث ثورة، أو قلبِ
نظام، أو تقلُّد مَنصِبٍ ووزارة، بل في الأثر النافع الصغير الذي يبثه المرء في
نفسه والناس، فينتفعون به ومنه، وينتفع بهم ومنهم؛ كالنخلية العاضِدِّيَّة التي
مياهها من ساقية الفلج وتنتفع به، ولا ماء خاصٌّ لها كما العادة في فقه الماء
والفلج المجتمعي والديني على السواء. وهذا مربط الفرس وأصله لدى العظماء، فهذا
بشَّار بن بُرد صاحب ذلك البيت الساحر الذي بسببه ظنَّ كثيرون أنه يدَّعي العمى
وهو مُبصر:
كأنَّ مثارَ النَّقْعِ فوق
رؤوسِنا وأَسيافَنا ليلٌ تَهاوَى كواكبُه
هو ذاته صاحب الأبيات
الطريفة التي ذكر قصتها عالم اللُّغة والأدب الزَّجَّاجِي في كتابه "مَجالِس
العُلماء":
"حدثنا أبو عبد الله
حدثني أحمد بن يحيى قال: حدثت عن أحمد بن خلاد بن المبارك الباهلي قال: حدثني أبي
قال: قلت لبشار: إني أراك في شعرك تَهْجُرُ، فتأتي مرةً بفَنٍّ ومَرةً بفن. قالَ:
مثل ماذا؟ قلتُ: مِثْل قولِكَ:
إِذا ما غَضِبنا غَضبَةً
مُضَرِيَّةً هَتَكنا حِجابَ الشَمسِ أَو
تُمْطِرَ الدَّما
ثم تقول:
رَبـابَـةُ
رَبَّـةُ البَيـتِ تَصُبُّ الخَلَّ في الزَيتِ
لَها
عَشـرُ دَجاجاتٍ وَديـكٌ حَسـَنُ الصـَوتِ
فقال: يا أبا مُخْلِد، الحالُ
بيني وبينَكَ قديمةٌ، وأراكَ ليسَ تَعْرِفُ مَذهبي في هَذَا، هذه امرأةٌ كانت لها
عَشْرُ دَجَاجَاتٍ وَدِيكٌ، وكنتُ لا آكلُ بيضَ السُّوقِ، وإنَّمَا آكلُ البَيضَ
المحصن، فأردتُ أنْ أَمْدَحَهَا بما تَفْهَمُ، وَلَوْ أنِّي مَدَحْتُهَا بمثلِ:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ
وَمَنْزِلٍ ...
وأخواتُهَا لَمْ تَفْهَمْ مَا أقولُ؛ ولَمْ يَقَعْ مِنْهَا مَوْقِعَهِ، وإِنَّمَا أَنَا كالبَحْرِ الزَّاخِرِ يَقْذِفُ بِالعَنْبَرَةِ وَبِالدُّرَّةِ النَّفِيسَةِ، ورُبَّمَا قَذَفَ بِالسَّمَكِ الطَّافِي، ولَكِنْ لا أَضَعُ كُلَّ شَيءٍ إلَّا فِي مَوْضِعِهِ. قلتُ: مِثْل ماذا؟ قالَ: مِثْل قَولِي:
أَنْفِسُ الشَّوْقَ وَلَا يَنْفِسُنِي وإِذَا قَارَعَنِي الهَمُّ رَجَعْ
أَصْـرَعُ
القِـرْنَ إذا نَـازَلْتُـهُ وإِذَا
صَارَعَنِي الحُبُّ صَرَعْ
أَنَا
كَالسَّيفِ إِذَ رَوَّعْتَهُ لَمْ
يُرَوِّعْكَ وإِنْ هُزَّ قَطَعْ
قال أحمد: فسمِعْتُ الأصمعيَّ
يقول: العَجَبُ لَهُ، أَنَّهُ لَا عَشِيرَةَ لَه، ولَا لَهُ مَالٌ بَارِعٌ، وَأَعْمَى،
ويَقولُ مِثْلَ هَذَا!".
فهو لم ينسلخ من الحياة
ومطالبها، ولم يتخلَّ عن ثقافته المتمثلة في شعره، فخاطَبَ خَادِمَتَهُ بأبياتٍ لطيفةٍ،
جمعَ فيها الثقافة ومتطلبات الحياة، وهو قِمَّةُ التماهي بين ما قَرَّ في دواخلنا
وما نقول، فلكل مقام مقال، ولكل موضع اختياره المتوازن الذي يحوّل التشوه المعرفي
إلى فرصة لإعادة البناء، وتفسيره المتزن، وتقييمه الواقعي، وفكرته البديلة.
تعليقات
إرسال تعليق