الكتابة.. المُسكّن والنجاة | 29 يناير 2026
الكتابة.. المُسكّن والنجاة
في وقت احتمى الإنسان فيه بالمغارات والكهوف، بحثا عن النجاة من الأعين التي ترى في الليلِ، رؤيتها في النهار، والوحوش المفترسة التي تتربص به من كل مكان. انبرت طائفة من الناجين والساعين للنجاة، بخطِّ ما استطاعوا خَطَّهُ في الجدران والصخور بما تأتّى لهم حينها من أدوات بدائية بسيطة متعددة الاستعمالات، فالصخور المدببة التي يصطادون بها فرائسهم، أو يقتلون بها الوحوش، هي ذات الصخور والأحجار التي يرسمون بها على الجدران. فرسموا المفترسات التي لاحقتهم، والمآسي التي حدثت لهم، والهجرات التي هاجروها، وبعض اللحظات الجميلة التي انسلَّت من هموم الحياة وأكدارها.
لم يمض وقت طويل مذ عرف الإنسان الكتابة واهتدى إليها باعتبارها شيئا منهجيا، فتغيرت الكتابة رأسا مع مرور الزمن، حيثُ لم تعد أداةَ توثيقٍ فحسب، أو فعلَ تنفيس، بل صارت مرتبطة بأجزاء أكبر وأكثر تنوعا واختلافا. فصارت تاريخا يرويه من يملك الكتابة والقلم، وطريقةً لنقل العلوم والمعارف من جيل إلى آخر. ثم تحوَّلَ الفعل فصار موازيا للسلطة، المقاومة، التوثيق، المعرفة، التأمل، الاعتراف، التعارف، والحياة ككل؛ صار فِعْلًا للحياة، ودالًّا عليها في آن.
هذه الحياةُ التي لم تَسلَمَ ذاتُها من التغير والتقلبات، لكن فعل الكتابة استمر في الوجود، بل وترسَّخَ وُجودُهُ بفعلِ عواملَ عدةٍ. فقبل ظهور الطابعة وتزامنِ وجودِ أحد أبرز المفكرين والفلاسفة عبر التاريخ والذي كان التاريخ بعدَهُ مختلفا عمَّا قبله، وهو الفرنسي رينيه ديكارت. فمع ظهور الطابعة واستعمالها عبر القارة الأوروبية، سُحِب البساط من أسفل أقدام رجال الكنيسة الذين احتكروا أوامر وتعليمات الإله، وكانوا الوسيط بين الربِّ المعبودِ والمؤمنينَ بِهِ. تَجَلَّى ذلكَ في تغييرِ اللغةِ المكتوبة بها التعاليم والشرائع السماوية التي كانت منتشرة في القارة العجوز، فتغيرت لغة تلك الكتب من اللغة اللاتينية النخبوية والمحتكرة من قبل السلطة الكَنَسِيَّة، إلى اللغة العامِّيَّة التي يتحدثها ويفهمها ويقرأها كل إنسان. فلم يعد الإلهُ محتَجِبًا وراءَ رجال الكنيسة، بل صار موجودا مع كل مؤمن يريد الحديث إليه، والمغفرة منه، والصلاة له. فانسحب البساط شيئا فشيئا من تحت أقدام سلطة الكنيسة، وصار الإنسان في مواجهة ربه مباشرة دون الحاجة إلى وسيط.
لكن هذا التَّغَيُّر لم يكن وليد اللحظة، فقد كانت الكتابة في كثير من الأحيان مدعاةً لخسارةِ الحياةِ، لذلك كانت فعلا مُحَرَّمًا أحيانا. ففي الوقت الذي بدأ فيه الناس النظر إلى الحياة الأرضية، ونزل الإنسان بفكره من النظر في السماء بحثا عن الأجوبة، إلى البحث في الأرض والتأمُّلِ في الأسباب والنتائج وفهمها. فكانت القفزة الفكرية والمعرفية مع الإغريق وفلسفتهم، ولكنَّ تلك الفلسفة التي تَمَاسَّتْ أحيانا مع سلطة الإمبراطور أو أحد القادة العسكريين الكبار، كانت جديرةً بإيرادِ الكاتِبِ القبرَ بطرقٍ شتَّى.
مثلت الكتابة أداة لنقل المعارف والأحداث إذن، لكنها تجاوزت ذلك إلى شيء آخر. فقد غدت فعلا يمنح الطمأنينة لصاحبه، ففيه تنفيس وتفريغ لما لا يستطيع قوله أو التفكير فيه علانية وبصوت مسموع. هذه النجاة المخفيّة عن الأعين والأسماع، تحولت إلى اعترافات وشهادةٍ أخيرة يتركها صاحبها لمن بعده، فعلى الأقل لا يريد التخلي عن لسانه وهو لا يزال قادرا على الكتابة والتحدثِ بلسانِهِ هُوَ، كي لا يتحدث أحد باسمه ولسانه دون دراية منه ودون أن يستطيع الدفاع عن نفسه أمام المنتحلين الذين يملكون قوة الإعلام وسلطة امتلاك الحقيقة الواحدة. وهو ما تجلّى في بعض الإنتاجات المختلفة التي لا شبيه لها، فقد أنتج كتابا بديعا وهو أشهر كتاب في مجاله "اعترافات القديس اغسطينوس" لدرجة أن الناس تكتفي بقول كتاب "الاعترافات" حتى يتبادر هو إلى الذهن، رغم وجود كثير مما يشبهه بعد ذلك.
هناك نوعان من الكتابة الذاتية إذن متداخلان ومنفصلان في ذات الوقت؛ فكتابة تُنقِذ صاحبها إما في حياته وترفع عنه المشانق والعذابات والعقاب، أو بعد مماته حين تتكشف بعده الحقيقة وتتبين مقاصده بالدليل القاطع الذي لا يحتمل التأويل وتتبدى حقيقة حججه ومواقفه. وأخرى، كتابة تُسَكِّنُ وتُخَفِّفُ الآلام وتُسَرِّي عن صاحبها همومه وعذاباته. لكنَّ أحدَ أبرزِ الأنواع وأهمِّهَا، هي الكتابة المقاوِمَة. وتتعدَّى لفظةُ المُقاوَمة عندي السلاحَ والقتال، فالمقاومةُ هيَ الكفاحُ. فَمِن مقاوَمَةِ المُحتَلِّ والمُسْتَعْمِرِ والمُعْتَدِي، إلى مقاوَمَةِ الأمراضِ والآلامِ التي تَعتَري المرءَ، بلْ مقاومةِ المنتصرِ الدائمِ؛ الموت.
تتعطل فينا -في كثير من الأحيان- القدرة على التغيير، تغيير الوقائع والأحداث والواقع المُعَاش. ونظلُّ ننظرُ في الفعل ومؤدّاه نَظَرَ فاقِدِ الحيلة المحزون، لكن هنالك من البشر من حوَّلُوا هذا الأمر إلى فعل مقاومة. فاختاروا الكتابة والتوثيق لا رفاهيةً ورغبةُ في الخلود المصطنع، نالوه أم لم يفعلوا؛ بل هي آخر الأسلحة التي بقيت بأيديهم كي لا يفقدوا عقولهم أمام المآسي الصعبة. وقد أنتجت لحظات كهذه كثيرا من الكتب البارزة المختلفة، تلك الكتب التي وإن لم تنقذ أصحابها من النهاية المحتومة، إلا أنها كانت الهادي والسبيل لمن أتى بعدهم.
وقد ذكرت في مقالة سابقة لي بعنوان "في الحاجة إلى الكتابة"، بعضا مما تعنيه الكتابة وتمنحه لصاحبها. لكنني أعيد اقتباس سينيكا هنا ورسائله التي كتبها في منفاه، وهي أحد الكتب التي تدلل على ما يمكن للكتابة أن تفعله للمحزون المنفيِّ، والمتعرِّضِ للظلم. يتحدث سينيكا إلى صديقه في الرسالة VI "الكتابة للمستقبل، ما يُمنح يُمنع"، حيث يقول "..إنني أكتب بعض الأشياء التي قد تفيدهم، أضعُ على الورق بعض التوصيات المفيدة، التي يمكنُ أن تُشبَّه بوصفات الأدوية الناجحة، ولقد اختبرت فاعليتها في حالة آلامي الخاصة، والتي إن لم تشفَ بالكامل فقد توقفتْ على الأقل عن الاستشراء. إنني أشير إلى الطريق الصحيح للآخرين، والذي استوعبته متأخراً في حياتي، عندما أرهقني تجوالي. أقول: ((تَجنَّبُوا كلَّ ما تتقبَّلُهُ الغوغاء، والأشياءَ التي تأتي هدايا من الصدفة. ومتى ما جاءت الظروف بشيءٍ مُرَحَّبٍ به في طريقكم توقفوا في شكٍ وانتباه: الحيوانات والأسماك تُصطادُ بمثل هذا الجذَّابِ المتاح أمامها. أتظنون هذه الأمور هدايا لكم من الأقدار؟ إنها صنّارات. ومن شاء منكم أن يعيش حياة آمنة فليفعل كل ما بوسعه للابتعاد عن هذه الجوائز المفخخة، التي هي نوعٌ آخر من الأخطاء التي نقع فيها نحن الكائنات التَّعِسَة: نَظُنُّ أن هذه الأشياء لنا بينما في الواقع نحن الذين نُصطَادُ بها. الطريقُ تؤدي إلى هاوية، والحياة على هذا المنحى المفرط في فرحِهِ تنتهي بسقوط. وعلاوةً على ذلك، ما إن يبدأ الازدهارُ يحرفنا عن المسار حتى نعجزَ عن إيقاف السفينة كعجزنا عن النجاة من الغرق معها، مُعزِّين أنفسنا بأنها غرقت على طريقها الصحيح، أو أنها غرقت إلى الأبد وانتهى الأمر. الأقدار لا تقلب القارب وحسب، بل تدفعه مباشرة نحو الصخور وتحطِّمُه إلى قطع.
لذلك، تمسّكوا بهذه الخطة السليمة والصحيحة للحياة: أشبعوا الجسد بقدر ما يكفي للصحة الجيدة. ويحتاج الجسد إلى التعامل معه بعض الصرامة لمنعه من التمرّد على الروح. طعامكم يجب أن يُشبع الجوع، وشرابكم أن يطفئ العطش، وثيابكم أن تقيكم البرد، وبيوتكم أن تحميكم من الطقس المتوحش. لا فرق إن بُنيت من العشب أو من الرخام الملون المستورد من بلاد أخرى: ما يجبُ أن تفهموه هو أن القشَّ يمنح الإنسان سقفاً كما يفعل الذهب. أحجموا عن كل ما يُضاف للتزيين والزخرفة مستهلكاً جهدكم بلا لزوم. وتأملوا أن لا شيء يستحقُّ الإعجاب إلا الروح، فروعتها تمنعها من أن تتعجَّبَ من أي شيء»." إنني بنقلي لهذا النص الطويل، لا أخفي إعجابي به، كما لا أستطيع إلا أن أفكر في الوضع الذي جعل سينيكا يكتب هذه الرسالة. أكانَ محزونا تقتلهُ الوحدة لحظةَ كتابتها؟ أم هائما يطفو في تجلِّيه المطلق كما يفعل الشاعر المنكسر؟ أم هي نظرة الذي فقد كل شيء، رأى كل شيء، ولم يعد يأمل من المتبقي في حياته سوى انقضائها فحسب، كالشمس التي تبتلعها جبال الأفق رويدا رويدا، نحو المغيب..
وقد طالعت الكتب التي تتحدث عن الكتابة باحتراف ومنهجية، ليتَّبعها الكاتب والشاعر على السواء، وما ينبغي أن يستزيد ويُكثِرَ منه، وما ينبغي أن يبتعد ويُحجِمَ عنه؛ ككتب ضياء الدين ابن الأثير وأبي الحسن العسكري. لكنني أجدني أَميَلَ إلى التطبيق الذي يوافق شيئا في الروح والنفس والمَعاش على السواء. فكتب الجاحظ الذي كان أشبه بالنبي المتواري عن قومه والذين لم يكونوا أهلا لتلقّي رسالته آنذاك، ككتب التوحيديِّ الذي أحرق بعضا من كتبه. فمنهم من يكتب بسخرية الراضي بواقع الحال، ومنهم من يكتب للآتي من الزمن والناس وقد تغيّرت الأحوال وانكشفت كنوزٌ حرَّمتها سلطة الشانئين ذات يوم، ومنهم من يكتب ألمه مواساة للمحزونين مثله، وإن اختلف زمانهم ولسانهم ومكانهم عن زمانه ومكانه ولغته ولسانه، وهؤلاء الذين سمّاهم كولن ولسون وأفرد ذكرهم في كتاب أسماه "اللامنتمي". فهؤلاء لامنتمون إلى مكان وزمان بعينه، بل هم روحٌ تجوب الفضاء بلا توقف، تصادف أشباهها في العالم، ولو بعد حين..


تعليقات
إرسال تعليق