اللَّحظِيُّ، والدائِم.. | 24 يناير 2026



اللَّحظِيُّ، والدائِم..

إلى أينَ نحن ذاهبون؟


إذا كان من شيء جيد في هذه الحياة، فهي الفرصة التي نكتسبها وتتأتى لنا للتغيير. وبالطبع، لا أعني ذلك التغيير الذي يكون للخارج ولأجل الصورة التي يبنيها الإنسان عن ولنفسه -الـPersona كما في علم النفس- ليصدرها للعالم الخارجي. بل تلك التي تمس جوهره وحقيقته والشيء الكامن والمستقر فيه من اعتقادات وإيمان عن نفسه، والحياة، وما ينبغي أن يفعله ويقوم به وفقا لذلك.


كانت تجربة الجولة السياحية مع عقلين مختلفين تماما، أحد أجمل الأشياء التي حدثت لي في هذه السنة الجديدة. فلم أتخيل أن تتحول جولة سياحية كان ينبغي أن تكون اعتيادية ومسلية بعيدا عن إعمال الفكر بل لإراحته قليلا، إلى نقاش طويل لا في النتائج والآثار، أو الأحداث ومسبباتها؛ بل في شيء أعمق، المنهج والمنهجية والرؤية والطريق والصدق والإخلاص في المشروع الذي يتبناه المرء لحياته..


لم أشعر كما حدث لي خلال الأيام الماضية بهذا التكدس للفكرة ذاتها وإعادة تدويرها في العقل كما حدث مع الفكرة التي مضمونها "العمر يمضي سريعا، سريعا جدا". سمعتها بطرق مختلفة منذ الأسبوع المنصرم، فتارة تكون على هيئة سخرية لطيفة ظريفة في سياق المزاح والضحك "ترى الدنيا لحظة"، "الدنيا نظر عين". وتارة في بكائية النجم البرازيلي الساحر رونالدينيو، في حوار أُجري معه مؤخرا وتحدث فيه بحرقة وبكاء عن أنه لا يصدق سرعة مرور الزمن وانقضائه بهذه السرعة. فمن صافرات التشجيع في ملاعب الأندية التي لعب لها، إلى التصفيق والاعتراف بموهبته الفذة من الغريم التقليدي لبرشلونة، ريال مدريد في البرنابيو ذاته. كان يبكي وهو يتحدث عن لحظاته الشجية وكأنها قد حدثت بالأمس ليس إلا!.


يتحدث الدكتور حسام، عن مصريته وذكرياته الأولى. عن عماته وأعمامه وأبنائهم، وعن الأصدقاء والقاهرة والإسكندرية ومصر زمان.. ولد في مصر، لكنه لم يعش فيها. وبعدما فرغ من دراسة المرحلة الثانوية، عاد إليها. لم تكن عودته هذه المرة بهدف الاستقرار ولم يُلقِ عصاه ويَستقِرَّ به النَّوى؛ بل كانت عودة الزائر لمرابع الأسلاف،  الشغوف بالبحث عن الأصول الأولى، فكانت زيارته لتعلم اللغة العربية التي لم يتحدثها من قبل..


تعلم العربية إذن كأنما هو أجنبي يتعرف على لغة جديدة، لكن سيرة حياته أكدت أن هذا الفعل منه لم يكن العلامة الفارقة والحدث الذي يحصل لمرة واحدة؛ بل يبدو أنه اتخذه منهجا فيما بعد، وهو الذي يتعلم عدة لغات رغم مشاغله،نعم مشاغله الحقيقية جدا والفرص الشحيحة التي تتبقى له، فهو مسؤول أكاديمي بارز في إحدى المؤسسات التعليمية المرموقة في أمريكا، والعمل في تلك المؤسسة ليس من قبيل الشيء المضمون الذي لا يلقي له المرء بالا، أو يستكين إلى وجوده باعتباره شيئا من المُسَلَّمات، بل هو كفاح ومنافسة للأفضل أكاديميا، علميا، ومعرفيا. وقد استحييت من نفسي وأنا أستمع إلى الرجل الستيني متحدثا عن اللغة الجديدة التي يتعلمها، الكورية!. ومن الأمور التي شدتني حقا، أنه لا يتعلمها لأجل المتعة والفراغ، بل يتعلمها لأنه يعمل على مشروع معرفي، وقد تطلَّبه ذلك المشروع أن يتعلم اللغة الكورية لأجل المصداقية والوصول إلى المصادر المعرفية ذات الصلة بالموضوع قيد البحث والإنتاج. فهو يتعلمها بدافع داخلي صِرف، لا مدفوعا من مؤسسة أو جهة داعمة، بل هو شيءٌ ذاتيٌّ محض.


هذه المشاهد، جعلتني أفكر مليا بما أفعله في حياتي وما سبق أن فعلته. فلست أسخر أو أقولها ظرافة وأنا أتأمل عشرينياتي التي مضت وانصرمت إلى غير رجعة، لكنني لا أريد بحال من الأحوال أن تتكرر مأساة العشرينيات في ثلاثينياتي. لا أعلم كيف مر الوقت سريعا، ولا تزال تلك الفكرة سيدة الموقف في رأسي "نحن نعرف ما ينبغي فعله، لكننا نجرّب فعل نقيضه، محاولين إثبات اختلافنا عن السنن الكونية". فلا زلت أتذكر نصائح أبي عن استغلال الوقت، وعن "الصحة والفراغ" أيام المدرسة والثانوية!. وأتذكر الليالي العظيمة التي عشتها في كنف الكتب والقراءة والمعرفة ذات يوم بعد المرحلة الثانوية وبداية المرحلة الجامعية الأولى؛ لكنها أشياء رحلت سريعا حين عركتني الحياة بالعمل والمسؤوليات الجسيمة، وصارت لقمة العيش مسألة وجود حقيقية لا شيئا من الكماليات، فلم تعد مسألة العمل من قبيل الأمور الثانوية، بل صارت أُسًّا لحياة جديدة أخطو فيها بلا دليل عملي، أدغال جديدة أكتشفها وحدي..


كنت أحتاج هذا الحوار مع الدكتورين، فهما وإن كانا لم يتحدثا ولم أسألهما صراحة عن الكيفية التي يستعملان بها وقتهما، وكيفية تأثير ذلك على الإنتاج المعرفي لكل واحد منهما -كلا الرجلين مرجع في مجاله- إلا أنني استنبطت ذلك من حديثهما. فكلاهما مدرك لما يفعله، ويحاول استغلال الوقت الذي يعيشه في سبيل المشروع المعرفي الذي يتبناه ويخلص له وقته وماله وجهده وحياته.


إن اللحظات كهذه، لا تعدو أن تكون إشارة شديدة الوضوح من السماء ذاتها. فالتَّنَبُّه اللحظي لما يحدث لنا ونعيشه، ليس من قبيل المصادفة، بل هو أشبه بالصوت القادم من أعماق الكون، يصرخ بنا "حان أن تتغير". أصاب كلمة "التغيير" من الذبول والتشويه ما أصابها بفعل الاستهلاك التجاري المنبثق من الأنبياء المزيفين لعلم النفس، أو الاستخفاف بالتنمية البشرية لا باعتبارها تطويرا فرديا للموظفين والعاملين لإعادة البوصلة المنحرفة بفعل الدفق الهائل للمعلومات والأحداث، والتعامل الاحترافي مع الضغوط والتحديات العملية، بل باعتبارها مصدر دخل جيد عبر الغرقى الباحثين عن الخلاص السريع.


لكنني أتذكر الروائي المفضل لمرحلة الشباب، هيرمان هسه. برواية "سدهارتا" البديعة المذهلة، و "نرسيس وغولدموند". ففي الروايتين لم يكن الأبطال كائنات متخشبة من البدء حتى الختام، بل كانوا متغيرين تغيَّر النفس البشرية ذاتها، وهي سمة صبغت جُلَّ أعمال الروائي الحائز على نوبل للآداب بُعَيد الحرب العالمية الثانية.


لا تحدث الأشياء عبثا -أو هذا ما أؤمن به على الأقل- لذلك ينبغي أن نستغل لحظات صحونا بتصحيح المسار الذي نسلكه في هذه الحياة، متذكرين وواضعين نصب أعيننا الحقيقة الكونية "لكَ وقت محدود، فأنفقه كما تشاء، فيما تشاء، لكن تحمَّل تبعات اختياراتك" أو كما يقول أحد الأصدقاء "اختر خساراتك"، بمعنى أن تختار الثمن الذي ستدفعه في كل خيار من خيارات الحياة.


وبصراحة شديدة جدا، تمثّل لي مواقع التواصل الاجتماعي أزمة حقيقية على عدة مستويات. فأنا مؤمن بأنها من مُشَوِّهات الذوق الجمالي، نظرا للدفق الهائل واللامنطقي لكل شيء فيها، فضلا عن الأُسِّ المبنية عليه رأسا، وهي المفاضلة أو اللمعان في ترويج الذات البرَّاقة، لا الذات الحقيقية؛ فيغدو الخجل من الطبيعي سيد المشهد، ويحلُّ الزَّيف الخادع محلَّ الحقيقيِّ الصادق. كما أن العلم أثبت ذلك مؤخرا أيضا، فلم يأت مصطلح "تعفّن الدماغ" اعتباطا، بل هو أنموذج قريب لما تفعله بنا هذه المواقع؛ فكيف بالمستقبل البعيد؟. ثم إن الوقت الذي يتسرب من بين أيدينا، والواحد منَّا كالمُخدَّر الذي يُساق على غير وعي منه، أجدى بأن يُنفَقَ في شيءٍ نريده، نُحِبُّهُ، ويُمثِّلنا. أريد أن أنظر إلى ما مضى من حياتي وأنا أبتسم لأنني فعلت ما أريد، كما أريد، وكما كان ينبغي أن يكون. وليست أمثلة الالتزام شيئا أسطوريا أو خياليا على الإطلاق؛ فلم يكن نجيب محفوظ، العقّاد، ويل ديورانت، شكيب أرسلان، مالك بن نبي، كارل ماركس، إيمانويل كنط، إسحاق نيوتن(وهنا أحب أن أدعو القارئ لقراءة كتاب "نيوتن أو انتصار الخيمياء" ليتعرف أكثر على هذه الشخصية الفريدة)، ، نيكولاس تيسلا، أو آينشتاين حتى، وغيرهم من الشخصيات العديدة التي لا يتسع المقام لذكرها. لم يكن هؤلاء شخصيات أسطورية هربت من الملاحم الإغريقية، أو من الكتابات الجدارية لأهرامات الفراعنة والأزتيك، بل كانوا مثلنا، لكنهم التزموا وأنفقوا وقتهم كما ينبغي، وفيما ينبغي، في مشروعهم الذي اتخذوه لأنفسهم قِبلةً وسبيلا.


ليس الأمر مقتصرا على المعرفة والعلم فحسب؛ بل قد يكون المشروع الذي ننفق فيه حياتنا شيئا مخلتفا ومفيدا للبشرية، أو مفيدا لبقعة جغرافية منها على الأقل. فالعمل الذي قام به الزوجان اللذان عاشا في البرازيل، وبدآ حينها بزراعة شجرة واحدة، لكن مشروعهما تحول إلى محميَّة من الأشجار فيما بعد، بل غابَةً جَمَعَتْ ودَعَتْ الطيور وكائنات بدا أنها غادرت المكان إلى غير رجعة؛ دعتها للعودة واستيطان المكان مرة أخرى. وليست العزيزة دارين مهدي التي غيّبها الموت جسدا، لكنه ما انتصر على أثرها، ليست غريبة عنا أو سمعنا بها ولم نعرفها. بل كانت تعمل أمامنا، وتبني مشاريعها المختلفة والمتنوعة، عَمَلَ العارف بما يفعل. ولم يكن اهتمامها بزراعة الأشجار العمانية النادرة، أو شغفها بالبيئة العمانية والأعمال التطوعية المختلفة شيئا خارج هذا السياق، بل كان الفعل الواعي لإنسان يعرف رسالته وما يريده في هذه الحياة. فهل عرفتَ رسالتك يا علاءالدين؟ وهل تعرف رسالتك عزيزي القارئ؟

ما أعرفه حقا، أنني لا أريد أن أعيش أو أنفق حياتي في شيء لا يشبهني..


تعليقات

المشاركات الشائعة