الحرب الإيرانية والرهينة الإستراتيجية | 19 مارس 2026
الحرب الإيرانية والرهينة الإستراتيجية
السبت، الثامن
والعشرين من فبراير من 2026 أعلن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترمب
الحرب على إيران بالاشتراك مع القاعدة الأمريكية الغربية المتقدمة في المنطقة،
إسرائيل. لم يكن المشهد غريبا أو مفاجئا إلى الحد الذي يجعل المرء مذهولا أمام
الحرب التي حدثت فعلا بعد فترة من التهديد والوعيد لإيران القيادة، ومحاولة
الاستمالة للشعب وغسل العقول والأدمغة لتغيير نظام الحكم فيها والإمساك بزمام
الأمور، والذي يعني عمليا "حرق الدولة داخليا". فلو كانت الحرب قد نشبت
هكذا دون سابق إنذار، لكان الأمر مفاجئا جدا، لكن حرب الـ12 يوما، ثم حشد القوات
الجوية والبحرية على مدى فترة ليست بالقليلة وتركيز وجودها في منطقة الشرق الأوسط
-رغم عدم تفضيلي لهذا اللفظ- كان واضحا أن الحرب آتية لا محالة.
إيران – الشر
المطلق؟
عبر عدة سنوات، ما
فتئ الإعلام الصهيو-أمريكي والغربي التابع للولايات المتحدة، فضلا عن الشطر الأكبر
من وسائل الإعلام الكبرى في الوطن العربي الكبير؛ يشير ويدلل على الشر الأكبر في
المنطقة، إيران. فإيران وفقا للروايات المتتابعة من هذا التيار، هي السبب فيما
يحدث في اليمن، العراق، سوريا، لبنان، وحتى في كون المجموعة البشرية الفلسطينية التي
كانت تعيش في غزة الرخاء والثراء والحرية والأمن المطلق، هي من جعلتها تهاجم حمائم
السلام الإسرائيلية وأرض الميعاد اليهودية المسالمة، لا الاعتداءات الإسرائيلية
المتتالية، ولا واقع الاحتلال اليومي هو السبب.
لست هنا للدفاع عن
إيران ولا للتبرير لها في تدخلاتها في عدة عواصم عربية وأثرها الواضح البيِّن فيها
الذي لا يشق له غبار ولا يغطيه غربال، لكن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون موجها
نحو "شرعية الوجود" في تلك الأمكنة، بل إلى السبب الأول والجذر الأول
لما جعلها تقبل على التوسع والتمدد في الأمكنة التي وصلت إليها. وتأثيرها الحقيقي
الذي بدا ظاهرا واضحا للعيان بعد ذلك.
قبل سبعة وأربعين
عاما، وبالتحديد بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران 1979 فرضت أمريكا القيود
الاقتصادية الكبرى على إيران وجمدت أصولها، وهي البداية الفعلية للحصار
الاقتصادي-السياسي الذي لم يعرف يوما التخفيف الحقيقي، بل كان متجها دوما إلى
الصعود والتصعيد المستمرين. والذي وصل الذروة مرتين، الأولى بعد خمس سنوات من
الثورة الإسلامية وتحديدا في 1984 -من المفارقة تطابق العام مع رواية جورج
أورويل- بإعلان الولايات المتحدة تصنيفها
لإيران باعتبارها دولة راعية للإرهاب. ثم في 2012-2013 والتي كانت الضربة الأقوى
والعقوبات الأقسى التي هدفت إلى تركيع إيران وردِّها إلى الدولة المسالمة وفقا
للنظرة الأمريكية، وهي الدول التي تتبع الشِّرعة الأمريكية وتبلع ضرباتها وتنمرها
الفجَّ دون إبداء أي اعتراض أو إصدار حتى صوت للأنين، بل الصمت والصمت المطلق لضحايا
التنمر الأمريكي "المسالِمْ".
لم تكن إيران قبل الثورة الإسلامية من الدول الراعية
للإرهاب بالطبع، بل كانت من العصافير الأمريكية الجميلة في الغابة العالمية. فقد
بدأت إيران مشروعها النووي 1957 بمساعدة ودعم مباشرين من راعية الحريات الكبرى، بل
وضمن برنامج أمريكي صِرف سُمِّيَ "Atoms for Peace" أي "الذَّرَّة من أجل السلام" وهو ما يعني ضمنا "الطاقة
الذرية من أجل السلام"، وهي العبارة التي اقتُبست من خطاب دوايت آيزنهاور
الرئيس الأمريكي 1953 الذي دعا فيه إلى استعمال الطاقة الذرية في أغراض سلمية
محذرا من مغبَّة استعمالها عسكريا ضد الأبرياء المدنيين والآثار اللاحقة للقنبلة
الذرية/النووية على البشر والحجر بعد ذلك، وربما نسي أن يذكر بأن بلد الحريات
والديمقراطية أباد مدينتين يابانيتين لإطفاء شهوة القتل والدم بعد انتصار أمريكا
عمليا، وهزيمة اليابانيين في الحرب العالمية الثانية. بعبارة أوضح، كانت الطيور قد
طارت بأرزاقها ولم يعد من الضروري استعمال سلاح مدمر ضد الخاسرين اليابانيين، فضلا
عن استعمال سلاح إبادة كالقنبلة النووية.
في تلك الفترة، كانت إيران تحت حكم الشاه،
وكانت في الوقت ذاته تحت الجناح الأمريكي الدافئ، لذلك لم يكن هنالك من خوف أو
مشكلة تهدد المصالح الأمريكية، لأن وجود سلاحين يمثلان مقصا كبيرا أو مطرقة
وسندانا أمام أي محاولة لرفع الرأس في المنطقة الأغنى بالثروات والموقع اللوجستي الأبرز
في العالم -الخليج العربي- لأي دولة تظن في نفسها القدرة على مجابهة التنمر الباطش
لأمريكا وحلفائها؛ كان من الأشياء الجميلة والتي تستحق الاسترخاء للساسة والتجار
الأمريكيين، فمن يجرؤ على الخروج عن الملة الأمريكية الحنيفة؟، فهناك كلبي الحراسة
-آنذاك- إيران وإسرائيل.
لم تدم الأمور على حالها، واقتضت السنة
الكونية أن يتبدل الواقع السياسي في إيران من كونها بلدا مضمونا للأمريكان؛ إلى
عدو يُخشى منه، بعد الثورة الإسلامية. بعبارة أخرى، من حليف أمريكي مضمون، إلى
شرٍّ مُطلق يلزم شيطنته في شتى المحافل والمجالات.
من الأمس، إلى اليوم..
إن المعضلة الحقيقية اليوم، ليست في
الاعتداءات الإيرانية على أراضي دول الخليج العربي فحسب؛ بل في كون الحرب المعلنة
اليوم لم تكن ضمن خيارات أو قرارات هذه الدول ذاتها، بل فُرضت عليها فرضا.
فالمسألة ليست بوضوحِ "معكَ أو عليك"، بل في الأسباب التي أدت إلى هذه
الاعتداءات وحق إيران في تبني طريقة الرد المتبعة اليوم. وإذا أردنا الإمساك
بالعصا من منتصفه، فلا يسعنا إلا أن نقول الآتي تباعا:
أولا: تعد دول الخليج العربي رهينة استراتيجية
لأي طرف كان بغض النظر عن العلم الذي يرفعه، والقُطر الآتي منه. وسيستمر الوضع على
حاله ما لم تعتمد على سواعد أبنائها في تصنيع منظوماتها الدفاعية والاكتفاء
بالتركيز الأكبر على الموارد البشرية والمالية والطبيعية لهذه الدول -باعتبارها
منظومة متكاملة- أكثر من الاستعانة بالحليف المُفترض. والاكتفاء الذاتي منظومة
متكاملة لا تتجزأ. فما يبدأ بالغذاء، لا ينتهي إلا عند أقصى كمال بشري ممكن، ومن
يسأل عن التجارب السابقة التي نجحت في ذلك، فلماذا لا نكون أول من نبتدع ذلك رأسا؟
-على افتراض أن أحدا لم يسبقنا إلى الاكتفاء الذاتي- ومن يظن بأن بلده غير قادرة
(عمليا) على الاكتفاء الذاتي، فهو واهم أو متخاذل راضٍ بموقع بلده ووطنه في
الخريطة العالمية.
ثانيا: أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية
وذيولها الغربية أنها حليف لا يمكن الاعتماد عليه أو الركون إليه في الأوضاع
الحاسمة والصعبة. فكيف لحليف أن يزج بحليفه في أوار الحرب دون استشارته أو ضمان
حمايته له؟. ثم كيف لحليف أن يسحب منظومات الدفاع الجوي من أرض حلفائه ويتحكم
بمواقعها حيث شاء؟ وكيف لحليف أن يضرم الحرب، ثم يطلب من حلفائه أن يتلقوا بدلا
منه الضربات؟ وأخيرا، كيف لحليف أن يدخل الحرب بقيادة عدو استراتيجي للمنطقة
المتضررة جراء الحرب دون مبالاة بحليفه؟. إن هذه الأسئلة واضحة الإجابة لا تترك
لنا مجالا لوصف الولايات المتحدة ووسمها بسمة "الحليف"، بل هي تسمية
أقرب للسخرية منها إلى الحقيقة وواقع الحال. (انظر إلى ما قاله وزير الخارجية
العماني بدر بن حمد ألبوسعيدي في مقالته في الإيكونوميست)
ثالثا: هل يحق لإيران استهداف الأراضي الخليجية؟.
ينقسم الأمر إلى قسمين رئيسين، أولاهما إن كان الاستهداف للأراضي التي جاءت منها
الضربات في حدودها العسكرية فحسب، وهو لا رأي كاتب المقال، بل هو الرأي الذي يوافق
عليه المدافعون عن حق إيران في الدفاع عن نفسها. باعتبار أن الضربات -وإن كانت تحت
القيادة الأمريكية- انطلقت من تلك الأراضي بالتالي فإن الدفاع جاء بالمثل -ضربة
بضربة/السن بالسن- أي بضرب المكان الذي انطلقت منه تلك الضربات بأنواعها وصنوفها
المتنوعة.
والأخير، أن هذا الجار الذي تستهدفه إيران
بهجماتها، هو جار لا يمكن الفكاك من وجوده، بل إن ما يجمعه من أواصر تاريخية
وحالية، أكبر مما يجمع أي حليف آخر للمنطقة، وبالتالي يصبح السؤال "هل ينقص
إيران عدو آخر؟ أم هل تنقصها عزلة أكبر؟". لكن المسألة مرتبطة بالسؤال الأول
أيضا، فإن كانت الدول التي انطلقت منها الضربات (انظرBBC) راضية بهذا الأمر، فإن إيران ترى أن من حقها الدفاع عن نفسها عبر الرد على
مصدر تلك الهجمات، أيا كان مصدرها.
رابعا: تعي إيران الأهمية الاقتصادية
واللوجستية للخليج، متبنية رؤيته كـ"رهينة استراتيجية". فمن يملك مفتاح هرمز،
يملك الولوج إلى كنوز الطاقة من الغاز الطبيعي المسال والذي يمر ثلث إنتاجه
العالمي عبر هذا المضيق، والنفط الخام والذي يمر ربع الاستهلاك العالمي له عبره
أيضا. لذلك قررت إيران إغلاقه
وملأته بالألغام
في سبيل أن يعاني العالم جرّاء العدوان الأمريكي-الصهيوني المشترك من أزمة عالمية،
وبالتالي يضغط على المعتدين ليوقفوا عدوانهم. فالرهينة الإستراتيجية -الخليج- لن
تستطيع امتلاك زمام أمورها الكاملة أمام قوة عظمى ما لم تتحد حقا وصدقا، لا
بالشعارات وشهوة قيادة الآخرين فحسب.
خامسا: إيران وفلسطين. يخلط كثير من الناس
بين المسألة الإيرانية والاحتلال الصهيوني لفلسطين، معتبرين أن الحرب الحالية
سببها الدعم الإيراني للمقاومين الفلسطينيين، بينما الحقيقة أن المسألة الفلسطينية
لا تمثل أولوية في الصراع الحالي. فلو كانت الضربات التي تتلقاها إيران من جزر
الواقواق بالتعاون مع الولايات المتحدة، فإنها ستعادي جزر الواقواق أولا -بحكم قربها
الجغرافي، وإمكانية رد العدوان عليها أكثر من أمريكا ذاتها- والولايات المتحدة الأمريكية، وستترك الاحتلال
وشأنه. لكن الحرب الحالية تجعل كل أطراف الحرب في سباق محموم وجِدِّي لاستمالة
الجمهور بروايات عاطفية تجعل لكل طرف فيها موطئ قدم مُؤجل في أراضي تلك الجماهير.
لذلك تغدو المسألة الفلسطينية لا مسألة حق يُراد نصرته، بل مكسبا مباشرا أو غير
مباشر لإيران في تثبيت وجودها في قلوب المصدقين لرواية النصرة الفلسطينية. في
المقابل، تبدو روايات "المجوس، عبدة النار، الشيعة" ذات استعمال عالٍ في
الطرف المقابل لشيطنة إيران بجعلها موضع الهدف ومرماه، لذات السبب أيضا. لتغدو
المسألة الشيعية-السنية هي الحاضرة، وتختفي الأيادي الصهيوأمريكية من المشهد، وتظل
الجماهير متحفزة لإلحاق الأذى بالطرف الآخر "نُصرة للحق، وعونا للإخوة في المذهب
والدين" متناسين أن من أشعل أُوار هذه الحرب، لم يصطلِ بنيرانها! بل اصطلى بها
جيران إيران الذين لا يستطيعون نقل بلدانهم من هذه البقعة الجغرافية من العالم،
كما لا تستطيع إيران ذلك أيضا. وهو ما يعني ضمنا، الاستفادة القصوى للكيان
الصهيوني "باعتباره قاعدة عسكرية متقدمة لأمريكا خصوصا، والغرب عموما" في
شرق أوسطيٍّ مفكك وضعيف، يسهل قِياده واقتياده على السواء؛ سواء بالجزرة -المصالح والسِّلم-
أو العصا -لا تريدون أن تكونوا إيران التالية بالطبع-.
سادسا: يؤلمني أن أقول هذا الأمر في هذا
الوقت لحساسية المسألة وحساسية توقيتها، لكن الواقع لا ينتظر ما نحب وما نكره، بل
يلقي بنا في خِضَمِّ اللَّهب وعلينا أن نتبيَّن سُبُل النجاة ونتّبعها.
تقع دول الخليج العربي على ربوة من
الخيرات والنعم التي لا حصر لها، نعم لا حصر لها حقا وفعلا لا مجرد مجاز أو
مبالغة. لكن المفارقة المخيفة في هذه الدول ذاتها، الوجود الكثيف للعمالة الوافدة
التي تقضي على التوازن الديموغرافي مباشرة، وهو ما بَحَثته عدة قامات أكاديمية عربية
مثل د.جاسم حسين في دراسته العمالة
الوافدة في دول الخليج: واقعها ومستقبلها والذي تناول فيها المخاطر مع الحلول
والعلاجات بصراحة، أو في تقرير
المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإن كان قد ورد
التقرير بصيغة خجولة في تناوله للمسألة الديموغرافية. أو في الشأن العماني مثل ورقة
الدكتور الفلسطيني جهاد بن جميل حمد، الأستاذ المشارك في قسم علم الإجتماع والعمل
الاجتماعي والمنشورة في موقع جامعة السلطان قابوس بعنوان "رؤية
سوسيولوجية في أزمة التوازن الديموغرافي في الخليج" وهو أفضل ما رأيت من
ناحية النقد البنيوي السوسيولوجي للظاهرة وأبعادها وحلول مشاكلها أيضا. لكن
المسألة في هذا السياق، ليست مسألة "نحنُ مقابل هُم"، أي ليست مسألة
مواطنxوافد؛
بل هي أعمق من ذلك، وممن تناولوا المسألة بذكاء المفكر العماني سعيد سلطان الهاشمي
في مقالة له في "السفير العربي" بعنوان "المجال
العام في دول الخليج".
والخلاصة التي لا
يمكن بحال أن تحوي ما خلف هذه المسائل من جذور سياسية، جغرافية، ديموغرافية،
اقتصادية، جيوسياسية وإنسانية معقدة ومتشابكة ومترابطة في آن، فلا يمكن اختزال
مأساة الواقع في جانب واحد من هذه الجوانب دون نقد وفحص ورؤية الجوانب الأخرى؛
لكنها "نواشِر معصم" المسألة إلى حد كبير، فهي الأساسات الظاهرة التي
تتفرع عنها مشكلات أخرى.
فالتشكيلة
الديموغرافية المختلة اختلالا بيِّنا في بقعة جغرافية مضطربة، مضطرمة؛ لا يمكن أن
يتم تشبيهها بديموغرافية أخرى في منطقة هادئة خاملة. فهذه التشكيلة هي من تسمح
بوجود العملاء والجواسيس بشكل أيسر وأسهل. ثم إنها تزعزع الأمن العام لأسباب بشرية
طبيعية مفهومة، فمن يكترث ببلد ليس ببلاده (إلا من رحم طبعا)؟ ومن يقوم بالتصوير
في الحرب الحالية ونشر تلك الصور والمقاطع بما يهدد الأمن ويكشف النتائج المترتبة
عن الهجمات والاستهداف؟ وأي رابط هذا يجعل الوافد يفدي المكان الذي هو فيه بروحه
وماله في وقت الأزمات (أؤكد على ضرورة قراءة مقالة د.سعيد سلطان في هذا الشأن، فلست
ممن يرى الآخر بمنظور "وافد" واختزاله فيه، لكن نتحدث في هذا السياق عن
نمط تكرر في الحرب الحالية على الأقل)؟. ثم إن المواطن الذي لم يلق الرعاية الحقيقية
والعناية الفعلية الواقعية وهو يرى التفاوت الهائل بينه وبين الوافد -لا أحب هذا المصطلح،
ولكنه المتداول في هذا السياق- في الفرص
والمزايا والعوائد، أليس هذا الساخط قنبلة موقوتة يمكن أن تكون عليك بدلا من أن
تكون لك؟ ولنا في جواسيس الكيان الصهيوني في الأراضي الإيرانية شاهد ودليل على ما
يمكن أن يفعله السخط المشروع، وكيفية توجيهه إلى مناطق ليست غير مشروعة فحسب، بل
جريمة أخلاقية لا تغتفر "الخيانة".
خلاصة الخلاصة
لن تكون الحرب الصهيوأمريكية على إيران هي
ختام المشهد بتاتا، بل هي نتيجة لأسباب تراكمت على مدى السنين والعقود الماضية. ثم
إن الحليف الأمريكي أثبت مرارا أنه حليف غير موثوق بتاتا، وهو ما يستدعي أن تستوعب
الدول مواطنيها وتكون بين الدولة والمواطن لا علاقة حاكم ومحكوم فحسب، بل مساهم ومشارك
في بناء المشترك الذي يجمعهما، وهو الوطن.
أثبتت الحروب السابقة جميعها نتائج مباشرة
وواضحة، فالمصحلة الصهيونية مُقدَّمة على أي مصلحة أخرى في المنطقة؛ وما يحاول
فعله الكيان اليوم بوضوح هو الزج بدول الخليج في مواجهة مباشرة بالوكالة ضد إيران،
ثم تتمخض هذه الحرب غالبا عن تقارب مع الحليف الغادر "إسرائيل"
باتفاقيات تطبيع سيتم شرعنتها بوسائل مختلفة، وهو ما صرح به المستشار الدبلوماسي
لرئيس الإمارات أنور قرقاش في كلمة له أمام مجلس العلاقات الخارجية بقوله "..سياسات
إيران تحقق نتائج عكسية، إذ تدفع دول المنطقة إلى توثيق تعاونها الأمني مع إسرائيل
بدلًا من الابتعاد عنها.".
في هذه المرحلة الحرجة، تقف سلطنة عمان
موقف النائي بنفسه عن الاستقطاب من أي طرف كان، وهو موقف صعب صعوبة بالغة. فكل طرف
ينبز السلطنة الآن بوقوفها بجانب الطرف الآخر، فضلا عن استعمال البطاقات القذرة
الأخرى "الطائفية، المذهبية، العرقية..إلخ". والخطر الحقيقي الآن، أن
تتسلل هذه العفونة إلى المجتمع العماني المتماسك فيتأثر بإحدى هذه السموم، والعلاج
هنا يكون بالتوعية والتوعية الدائمة واستيعاب الجميع على قدم المساواة والعدالة،
والاصطفاف خلف الوطن الذي يجمعنا بأطيافنا المتنوعة. ولنتذكر جيدا من أشعل هذه
الحرب ومن ينوي الهروب من لظاها الآن، تاركا الخليج يحترق!. فالخليج ليس بقعة جغرافية،
ولا حدودا سياسية، ولا شعوبا مختلفة؛ بل هو لُحمة واحدة، وعائلة كبيرة يجمعها محيط،
وتختلف في قطرات بسيطة، فهل سنتجاوز المرحلة بتقارب حقيقي واعٍ؟ أم سيزداد
التَّشظِّي والاستقطاب نتيجة اللعب على المتفرقات والاختلافات في النسيج الواحد، فضلا
عن الأنسجة المتنوعة للخليج؟. الشيء المؤكد الوحيد ختاما، أن الحرب الحالية إن
أسقطت إيران، فإن الدور آت على الجميع لا محالة، فالخوف السابق من كون الاستهداف
المباشر وسيلة تجعل الإيرانيين يستميلون تلك الدولة المستضعفة ويضمونها لمحورها،
لن يكون قائما. وستغدو الدول مستباحة ما دام منطق الغاب هو من يحكم الشِّرعة
الدولية الحالية. ومهما كانت نتائج الحرب الحالية، فسنصطلي بشرارها شئنا أم أبينا،
والعمل؟ معالجة فورية لما يمكن علاجه، واستباق الخطوات قبل مجيء وقتها، وهذا دور
من بيده القرار، كُلٌّ في موقعه..
*تاريخ كتابة المقالة الأساسية 9 مارس
2026، أضفت بعد ذلك عدة إضافات وفقا للمستجدات.
*أدين كل الهجمات التي تتسبب في وفاة
المدنيين من الطرفين الإيراني-الخليجي.
المصادر والمراجع:
1- https://gccstat.org/images/gccstat/docman/publications/labourQ2-2024.pdf
2- https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/09/201596418199269.html
3- https://anwaar.squ.edu.om/ar/نشر/ArticleID/5318/رؤية-سوسيولوجية-في-أزمة-التوازن-الديموغرافي-في-الخليج
4- https://assafirarabi.com/?p=4334
5- https://www.i24news.tv/ar/أخبار/middle-east/artc-247e42cd
6- https://www.crisisgroup.org/trigger-list/iran-usisrael-trigger-list/flashpoints/strait-hormuz
8- https://www.bbc.com/arabic/articles/cx2rz5474q4o
10- http://www.iaea.org/publications/7773/atoms-for-peace

تعليقات
إرسال تعليق