صِفَةُ أَبِي | 03 مايو 2026




صِفَةُ أَبِي

لم يكن للمرء أن يكتب إلا بباعث، وأن تتحرك دواخله إلا بمحرّك يهيج ملكته في الكتابة والتعبير، والوصف والرصف والتحبير.

ولإن كانت الحال هذه في الغالب الأعمِّ من أمور الحياة وشؤونها، إلا أن القلم يَقصُرُ عن بلوغ المَرام، وتتطاول أمامه أطواد لا يروم الحكاية عنها، فيقتصِر على الإشارة إليها، وذاك مبلغ قدرته ومناط مقدرته.

 

ومن مباهج العصر المؤذية في آن، وجود وسائل التواصل بما لها وما عليها، وقد يجد فيها الواجد ما يوافق شهوته، أو يلائم غايته، أو يشاطره شغفه وغاية مناه. فمما أحبه فيها، ما أجده فيها من الأخبار النادرة، والطرائف المستملحة، والآثار المستعذبة، ومن ذاك:

"إنَّ من أحسن ما يُمدَح به الرجل: وقار المجلس، فتراه لا يُتهتَك عنده في القول، ولا يُتسفَّل عنده في الحديث، وما أحسن قول كعب الغنوي في أخيه:

إذا ما تراءتْهُ الرجال تحفَّظوا

فلم تُنطّق العوراءُ وهْوَ قريبُ"


ولشدما وجدت في هذه العبارة من توافق عجيب، وتطابق غريب؛ لم أستطع تجاوزها. فأنعمت فيها النظر بعد النظرة، وأعملت فيها الفكر بعد الفكرة، وحاولت جهدي أن أصف بعض ما رأيت وعاصرت، وعايشت وعاينت، حتى أكتب طَرفا مما خبرت واختبرت، وليس من رأى كمن سمع.

وهذا الكلام -الاقتباس- مما وجدتُ أبي عليه، مع بُعد الشُّقَّة بيني وبينه، ووعورة المدى بين أخلاقه وأخلاقي، ومشقَّة التشبُّهِ به، واستحالة بلوغ مبلغه، أو استنساخ خُلقه وفضله. فما كان منه سجيَّةً وشيمة، لا يقدر بلوغه المُتَكَلِّفُ وإن بالغ، ولا المتمثِّلُ وإن أمعن، وإنما هي سجايا في النفوس، وطبائع لا يقدر عليها التَّطَبُّع. فكما قال البارودي وأجاد في قوله:

أسـيــــــرُ عـلـى نـهـــجِ الـوفــاءِ سَـجِـيَّـةً

وكلُّ امرئٍ في الناسِ يجري على الأصلِ

 

ولإن قيل أن المرء بأبيه مُعجبٌ، فإني أُعجب به، وأَعجبُ منه، وتقصر دونه مَساعِيَّ وإن رغِبت، وتَكلُّ دون اللحاق بهِ فَعالي وإن بالغت. فما وجدتني أفعل شيئا بعد جهد ولأي، إلا وجدته يصدر عنه عفوا صفوا، فكأنما هو ماء السماء السلسبيل، وكأني ملح أُجاج يروم الصفاء مرة بعد مرة، ولا ينال مَرامه ويبلغ دونه حِمامه.

 

فمما أحبه فيه صِلته بأهله وقرابته، وخاصته وصحابته، وتتبع أحوالهم وإن بَعُدوا، وزيارتهم وإن قطعوا، وأداء ما يفوق الواجب في حقهم وإن قصَّروا. فمع ظروفه الصحية القاهرة، وأحكام العُمر القاسرة، إلا أنه لا يتلكأ عن زيارتهم، أو مكالمتهم، أو أن يوصي بهم إن حالت الحوائل بينه وبينهم.

ومما أسمعه منه مذ كنت صغيرا، شذرات الأبيات الفصيحة من بطون الكتب، وأمهات الأدب، وكنوز الحِكَم التي اجتناها لا من الأوراق وحدها قراءةً، ولا من الأفواه سَمَاعًا، بل هي تراكمات عَطِرة، من أنوار زاهرة وأقوال نيِّرة باهرة، فيجمع بعضها فوق بعض في صدره، ويُجسِّدها طودا فوق طود في عَمَلِه وسَعيِه، ويحضُّ عليها بنيه وولده. فكم قد سمعت من الشواهد الشعرية، والآثار النبوية، فضلا عن الأنوار القرآنية؛ مما يتمثَّلُهُ في لحظته، فكأنما حكمته في قبضة يده، يمتح منها متى شاء وفقما شاء في الوقت الذي تَحسُنُ فيه العبارة، وتلطفُ عنده الإشارة. فينهل مما يحفظ عند السانحة المناسبة للحَدَث والدلالة، والموافقة للحديث والإحالة.

 

كما أنه وفيٌّ بآبائه وإن قَضَوا، رؤوفٌ بهم وإن رحلوا. فلا يخلو مجلس من ذكر مآثرهم استنهاضا لنا، وتذكيرا بفضلهم علينا، وهو ما حداني إلى أن أُعنى بالأخلاق الرفيعة في مقياس الرجال وموازينهم، لا بكثرة الشهادات، والكتب والقراءات؛ فما يتمثَّلُهُ المرء في أخلاقه ومعاملاته، هو ما ينجو من نوائب الدهر ورزاياه، والباقي من رسومه وآثاره وبلاياه.

 

فمن بره بهم، محافظته على ما أوصوا به، وما نذروه وأوقفوه من أموال وآثار، وحقوق وجوار. فكان قائما على نخيل جدنا الأكبر ناصر بن سعيد التي أوقفها للصيام وما يعين المرء على نيل الدرجات عند الإله بعد الفناء وانقطاع الرجاء إلا من عملٍ لا يقف أثره ولا ينفد خيره ولا ينقطع أجره، حتى وإن غلبَ الإنسانَ الحِمام. وكان يدفع فوق ما كان ينبغي أن يسدَّ ثغره الوقف، كي يستمر ذلك الوقف وصاحبه في النماء، والترقي في درجات السَّناء. ومن برِّهِ معرفتُهُ بأصحابهم، وزيارته لهم -رحلوا كلهم- واستمرار علاقته بأبنائهم من بعدهم، فكأنما هم بقيةٌ من الآباء والأجداد، لهم من الحقوق ما لهم، ومن الوصل والواجب ما لا يحسُن إلا بهم.

 

كما أنه يتمثل أقوال الآباء والأجداد في المواضع الحَسَنَة، فهو حاضر البديهة، ماضي الشكيمة، لا تُعييه المواقف وإن صَعُبَت، ولا تُثنيه كلمات السوء وظنون الباطل في مواضع الخير وإن آذت. ومن ذاك، أنه كان قائما على عدة مصالح للبلاد والعباد، وكان ينفق من عمره وماله وجسده، وكنا نسمع بعض الآراء فنستشيط غضبا ونطلب منه أن يترك ما يجلب الأذى وإن كان خَيِّرا، وأن يدع الإحسان ما كان مؤذيا؛ فلا يلتفت إلينا، ويمضي في الفراغ من عمله الذي يعمل، فتنتفع به البلاد والعباد، ثم يتوارى غير طالبٍ لجزاء، ولا باحثٍ عن الشكر. وكم من أُناس قابلوه بالأذى من القول، فأرجُوه أن يقطعهم كفا لآذاهم، وأن لا يُلزم نفسه بالإحسان إليهم، فما كان منه إلا أن يجيبني "يا ولدي، اجعل الحُلو في الأعلى وارفعه، واجعل المر والأذى أسفَلَ فضَعْهُ".

 

ومما يحسن ذكره، وإذاعة خبره لا كتمه وستره، هذه المواقف النبيلة، والمشاهدات الأصيلة، لأي رجل كان، فكيف إن كان هذا أبي ومعلمي، وأستاذي ومُؤدِّبي؛ فهو أجدر بالشكر بعد الشكر، وأحق بأن يلهج لساني بالثناء عليه من فجر إلى فجر.

ولعلَّ هذه الكلمات أن تكون سلسلة في تمثُّلِ ما أشاهده فيه، وما أسمعه منه، ومحاولة التشبه به ما أمكن، واقتفاء أثره وإن بدا غير ممكن..
حفظه الله وحماه، وأحسن إليه وتولَّاه، وأمده بالصحة والعافية البركة وأجزل له من جميعها فوق ما مَنَّ به وأَولَاه. وأعانني على بِرِّهِ والإحسانِ إليه، وشكرهِ والثناءِ عليه. فِعلًا لا قولًا، وعَمَلا لا دَعوى، وحقيقةً لا شعارًا، ومَوقِفا لا عِبارة..

ابنك المحبُّ لك، المُقِرُّ بفضلك وإحسانك

علاءالدين

21:14 Pm | 03-05-2026


تعليقات

المشاركات الشائعة