الثقافة والتشوهات المعرفية | 31 مايو 2026


الثقافة والتشوهات المعرفية

التشوه المعرفي أو Cognitive Distortion كما في علم النفس المعرفي وتحديدا في العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، هو نمط من التفكير غير الدقيق أو المنحاز يجعل الإنسان يفسّر الواقع أو الحدث على غير حقيقته وبطريقة منحازة وغير دقيقة مرجعها الأساس نمط تفكير معين، فيُفسِّرُهُ بطريقة مبالغ فيها أو سلبية أو غير متوازنة. ومثال ذلك التعميمات الزائدة من قبيل "كل المثقفين يعيشون في برج عاجي" والحقيقة أن هناك من المثقفين من يفعل ذلك، وهناك من يعيشون مع الناس وبين الناس ومثل الناس في عملهم وتعاملاتهم وروابطهم وهمومهم الاجتماعية. أو التفكير الثنائي (أبيض/أسود) مثل، أنت مثقف؟ إذن لا يجب أن تعمل في حقل علمي، أو تجاري، أو استثماري. وينبغي بناء عليه أن يكون اهتمامك منصبا على القراءة والكتابة واحتقار المَعَاش والمجتمع والحياة اليومية، باعتبارها شيئا ثانويا يُعيق عن عيش الحياة الثريةِ بالمعنى، العاليةِ في قيمتها والتي يسميها "الثقافة"، بينما الجمع بينهما هو الطبيعي والمتزن. فالتشوه المعرفي كما يعرّفه "قاموس جمعية علم النفس الأمريكية (APA Dictionary of Psychology) التشوه المعرفي بأنه تفكير أو إدراك أو اعتقاد خاطئ أو غير دقيق". بعبارة أخرى "هو نمط من التفكير أو الإدراك أو الاعتقاد يتسم بالخطأ أو عدم الدقة، بحيث يؤدي إلى تفسير الواقع أو الذات أو الآخرين بطريقة غير متوازنة أو منحازة".


الثقافة، تلك الكلمة الكبيرة والصوت الآسر بنغمته الرَّنانة وصوتها المُطرب الممتع، والامتيازات التي رافقت ذلك الوسم على مر الزمان الذي نُحتت فيه الكلمة نحتا وتشكّل فيها معناها الذي تعدّى الثِّقاف التي يستعملونها في سنِّ سيوفهم ورماحهم، إلى الكلمة المعهودة ذات الرائحة الورقية والحبر العتيق والكتب اللانهائية، التي كان الهدف منها شحذ العقول والأفهام، ثم أتاحت الظروف أن يكون للثقافة القدرة على الثلم أيضا، لا الشحذ وحده.

تتميز الثقافة بمزايا غير مكتوبة، لكنها معروفة متداولة كأنما هي عَقْدٌ ضمني. فالمثقف -في الأصل- إنسان يحاول تضييق رقعة ما يجهله، أي أنه مُحسِنٌ يريد تحسين وتجويد الواقع، بمنظار القادِمِ منه، العارِفِ له، البصيرِ به. ثم اشتبكت واتخذت مجراها الكبير والشائك مع غرامشي في تسليطه الضوء على كلمة الثقافة والمثقف، واستعادتها وتشكيلها كما يُشكّل الخزّاف تحفته. فانسحب العالم يُلقي القناع الغرامشيَّ على الأحداث التاريخية في كلِّ حدب وصوب، وليس أدلَّ على ذلك من إلقاء ذلك القناع على "محنة ابن حنبل" وإسباغ الصبغة الغرامشية عليه وعلى محنته. ولأن من مصائب القدر أن الناس في كثير من الأحيان لا يفصلون بين الإنسان ومنتجه، ارتبطت الثقافة بالسجن، المقاومة، التعذيب، والثورة، والألم اللانهائي للكائن المثقف، الذي لا يُمنح تلك الصفة وذاك الاعتراف ما لم يكن مسيحا جديدا يتنقَّلُ من صليب إلى صليب، حتّى مصرعه أو غيابه.

 

لكن.. ما الثقافة حقا؟

لا أفهم الثقافة باعتبارها ذلك الكم المعرفي الهائل المحفوظ في الذاكرة والذي يكون رهن الاستدعاء كلما أراد المرء منح كلماته الشرعية والواقعية والموضوعية، فيلقي لك بـ"الجوكر" أو يهاجمك بـ"الوزير" كما في رقعة الشطرنج الكبيرة قائلا لك "كش ملك" كلما أراد دعم سياقه ودحض حججك. ولا أفهمها بالكم المكوَّم -مع أهميته، لكنه ليس كل شيء- من الكتب المكدّسة التي يتفاخر المرء بقراءتها قبل الجميع، كمًّا ونوعًا. فيُلزمك أن تأخذ بقوله لأن "تشومسكي قال"، أو "سلامة كيلة تكلم عن هذه المسألة" وتلك القائمة اللانهائية من الأسماء ذائعة الصيت، ثابتة الموقف، قويّة الوقع على السامع من مؤلفين ومترجمين وكتب وأعمال، كانت معاناتهم لا من قبيل المتعة الاستكشافية والتجربة الفريدة، بل شيئا حتميا مفروضا عليهم، دفعوا في ختامها كما في حالَتي غسان كنفاني وناجي العلي حياتهما. لكن.. دع كلَّ هؤلاء، وأخبرني؛ ماذا تقولُ أنت؟. حينها يتلعثم البطل ويبتلع لسانه الذي له كل القوة والسلطة، لا عقله المفكر الناقد رهينُ أقوال الفلاسفة والأدباء والمفكرين، ولا منطقه السليم الحر الأصيل الذي شكَّل طريقة تفكيره وقَالَبها.


"الثقافة البائتة" كما أحب أن أسميها، وهي الثقافة التي تمنح صاحبها تلك النشوة واللذة الشبقية لأنه "يعرف" والآخرون "جهلة". ذلك الشعور المبهج للكلب وسط قطيع الخراف، لكن أليس الكلب ضمن القطيع؟. إن الثقافة المستوردة -الاستيراد بمعناه الأشمل، الآتي من خارج الذات لا داخلها- المعلّبة هي التي تجعل المرء يبتلع المعلومات ابتلاعا، ولا يتغذى منها ولا يستفيد.

أما الثقافة الفاعلة الحَقَّة، فهي التي يتمثلها المرء في حياته وقراراته، فيستنبط من المفكرين والكتب السياقات والطرق التي أوصلتهم إلى ما وصلوا إليه، أو بعبارة أخرى "القوالب" التي بنوا عليها فلسفاتهم ورؤيتهم ومنهجهم في الحياة وللحياة. وهؤلاء، لن تجدهم -في الغالب الأعم- من المنقطعين عن الحياة وممارستها بإقبال الراعي، والفلاح، والتاجر، والصانع، والسياسي، والمُحسن المُتقن لصنعته والمنكفئ على الكتب وحدها، ولا شيء سوى الكتب. بل تجدهم يخوضون معترك الحياة بصدر عار يكتسب صلابته من طعنات التجارب وقساوة المناخ وتقلباته، أو كما يقول الفيلسوف الفرنسي باشلار في لقاء مصوّر معه "بنظرة واحدة، أعرف اللحم الجيد من الرديء". وهي عبارة تختزل ما يفهمه هذا الفيلسوف لمعنى الثقافة، وهي مرة أخرى "جودة الحياة" وتجويدها لك وللآخرين، والانتفاع منها عمليا لا كلمات مرصوفة مجردة خاوية من الروح.


أمست الثقافة امتيازا يكتسبه البعض بالجماهير، السُّلطة التي وافق القدر أن جعلته مسؤلا عنها، أو رقيبا عليها، وبالونا كبيرا من المعلومات القاموسية التي تشبه صفحةً في محرك البحث غوغل "معلومات عامة" فيها من كل بستان زهرة.

أجد الإنسان الذي يميط الأذى عن الطريق، يَشُقُّ قناةً يجري فيها الماء فتنتفع به الدواب والأنعام والأشجار والإنسان حتى.  الناصح الأمين لإنسان لم يعرف قيمَتَه فأوردها مواردَ غيرَ محمودة ألبتة، والمُقبل على نفسه وأهله ومجتمعه، هو المثقف الحقيقي. أمَّا عن البدء بالنفس، فلأن من لا يعرف نفسه ولا يُكرمها عمَّا يشينها، لا يَعْرِفُ قيمةَ الآخرين. وهو ما أدركه الشاعر البصير

فَنَفسَكَ أكرمها فَإِنَّكَ إن تَهُن            عَلَيكَ فَلَن تُلفي لَكَ الدَهرَ مُكرِما


أو كما قال ابن أبي سُلمى

ومن لا يُكرِّمْ نفسَه لا يُكرَّمِ


إن الثقافة سبيلُ حياةٍ وطريقةُ عيشٍ وسلوك وتفكير، وليست محصورة محشورة في رأسِ امرئ يُعجبه "طنينُ رأسه" كما دأب الشيخ الخلوق سعيد الحارثي أن يقول.

أين يكمن التشوه المعرفي إذن؟. يكمن ببساطة في السذاجة التي ينظر ويتعامل بها البعض مع الحياة "معي/ضدي"، "أبيض/أسود"، "ثوري/خائن". فيصبح الإنسان الذي يتبنى وجهة نظر مخالفة لما يتبناه صاحب هذا المنطق، شخصا خائنا "خان مبادئ الثقافة" المتمثلة عنده في العداوة والمناطحة والمبارزة، أو ببساطة في كونها مسألة فوز وخسارة. لكن هذه المبادئ الحادة التي يرى بها الوجود والناس، تتهاوى كملح في الماء حين تبرق مصلحة ما لهذا القائل فيما دأب على انتقاده وتشويهه وتسخيفه والإسفاف به وفيه. فهو يحسب أن المثقف ينبغي أن يكون مسجونا، وإن لم يُسجن؟ إذن هو ليس بمثقف!. وينبغي على المثقف أن يعادي الحكومة ويناصبها العداء في كل شاردة وواردة، طيب إذا أحسنت الحكومة في فعلِ شيء ما؟ من يمدح الحكومة فهو مطبل مرتزق!. وهذا المثال الأخير يشترك فيهِ هذا الإنسان مع المطبِّل الحقيقي بالمناسبة، فكلاهما لا يملك معيارا يزن به المنطق والقَول إلا ثنائية "المدح-الذم"، فإن مدحت ما يؤمن به فأنت منصف أمين، وإن ذممته فأنت خائن خوّان. هذا المنطق العقيم هو ما يتولد لدى الشخص المصاب بضلالات وأوهام "معرفة كل شيء" والذي يبرر أفعاله كلما كان له مصلحة فيها، ويتبرأ منها كلما انتفت المصلحة ونأت. وليس المقام للحديث عن التشوهات التي أصابت كلمات كـ"الوطن"، "الوطنية" والتي اكتشفت بالمصادفة، أنها تشوهات موجودة حتى عند النرويجيين!. حيث يقول توماس هيلاند إريكسن "..حتَّى إن التَّذَمُّرَ من البرد والظلام أصبح بمثابة خيانة وطنية". كما أنها ليست دعوة لامتداح كل ما هو حكومي أيضا، فالحكومة من المجتمع، والمجتمع أنا وأنت وهو وهي وهم. وإن مجرد اضطراري لشرح مقاصدي في هذه الكلمات الأخيرة، لهو أبرز دليل على ما يعانيه المرء من الاستقطاب والاستقطاب المضاد، والذي يحدث ضمنيا وفي عقد غير مكتوب -مرة أخرى!- منشؤه الرئيس تلك النظرة ذات البُعد الحِدِّيِّ الواحد، معي أو ضدي؟.

 

الحياة دار فيها هدم وبناء من النَّفَسِ الأول، حتى النَّفَسِ الأخير. وقد يكون الهدم هو الأنفع في مواضع، وقد يكون البناء أنفع في مواضع أخرى. وكل هذا عائد إلى المنطق الصحيح السليم من السَّقَام الناتج والنابع من تضخُّم الأنا والعُجب والإعجاب بطنين الرأس، والصوت الواحد. والمثقف الحقيقي كما أؤمن به، من يبني حيث وقع، كالغيث تماما. فهو في هدمه وبنائه يبني نفسه، وأسرته، ومجتمعه، ودولته، وأمته؛ نافعٌ أينما كان. أما المتعالي على هؤلاء جميعا، فما المُزية التي يتفوق بها على محرك من محركات البحث الآلية؟ أليست كلها مليئة بمعلومات لا سبيل لأن يجمعها إنسان في عقل واحد!. الثقافة فعلٌ وسبيل حياة، وليست تمتمات ولا كلمات..

 

كنت قد كتبت هذه المقالة فجر الثلاثاء 26 مايو 2026، ولم أرد نشرها لأن الوقت عيد، ثم جاءت عبارات ترمب الأخيرة، لتجعلني أراقب المشهد قراءة وبحثا واستقراء؛ فما زادني الأمر إلا قناعة بصحَّة مذهبي. وهو أن المثقف المنفصل عن الناس وعيًا وحياةً، والمخاطب للسُّلطة بشكل مباشر كأنما هي شخصٌ لا منظومة، متجاهلا مجتمعه ومحيطه ومستخفا به، لم يمارس المهمة المقدسة للثقافة والمتمثلة في التبصير والتنوير ، تبصير الذات والآخر. فإما ذُعرٌ من كلمات ترمب أو استخفاف بها، وكلا النظرتين فيهما ظُلم وإجحاف واستخفاف. فالاستجابة للتهديد الترمبي هي من قبيل صب الزيت في النار المضطرمة والمحيطة بعُمان شعبا ودولة، فالمواقف الذاتية التي تبناها الناس والحكومة تجاه قضايا المنطقة المصيرية، ونحتِ الطريق الخاص بنا، أورثنا عداوة وتربُّص الواقعين في الوحل واسترعى اهتمام الآثمين بهذه البُقعة الوادعة من الجزيرة العربية التي لا تريد حربا ولا ضررا لا لها ولا لغيرها، لكنها ليست من الجبن بما يجعلها تُسلِّمُ أمرها، وليست من الحماقة بما يجعلها تظنُّ في نفسها ما ليس فيها، ولذلك لا تخبت ولا يخمد أوار الاستقطاب السياسي والمذهبي والمجتمعي بشتى الوسائل من قبل الأعداء والمتربصين. وبعبارة أوضح، لسنا على قدر قوة أمريكا لندعي مقارعتها ونتمنى لقاءها كأنما هي مباراة كرة قدم، لكن في الوقت ذاته ولو حدث شيء لا قدر الله ونسأل الله أن يكفينا إياه؛ فسنكون في الصفوف الأولى ذودا عن أنفسنا وأهلنا ووطننا بترابه وسمائه وجباله وأراضيه. فليست الحرب من أمنيات العاقل وأهدافه وخيالاته، لكنها حين تُفرض على أي حُرٍّ شريف، لا يستنكف ولا يدخر جهدا في دفعها ومواجهتها مواجهةَ الموتِ ذاته.

تعليقات

المشاركات الشائعة