رَأيتُ وأَبصرت! | 13 سبتمبر 2026م
هذه المرة لم يعد الأمر قابلا للتجاهل، ما يحدث مرة تلو أخرى فلن يتوقف عن الحدوث ما لم تتغير الأمور..
كانت فترة مكثفة بشكل يجعلني أشعر أنني لا أعرف من أنا قبلها، وبعدها.
ثم ماذا؟
لا تتوقف الأمور عن الحدوث
نعم
الأشياء تحدث، لكنها لا على طريقة فابريزيو رومانو هذه المرة
بس هي تحدث هناك.. في أعماق ظلامنا الأثير، الذي لا ندرك كنهه، لكننا نشعر بوجوده ونوقن بذلك.
قد يكون قاسيا بعض الشيء أن أكثّف المعنى هذه المرة في كلمات، فقد تركت اللغةُ فيَّ ندوبا، لا أعرف بعدها إن كانت قابلة للشفاء
أما الفلسفة.. حبيبتي الأولى، وأول شواطئي التي أحب
لم تعد قابلة للتمثُّل، بل تقبع هناك بقناع ساخر ويتألم في الوقت ذاته
يراقب من فوق، كما لو أن البشر محض ذرَّات زائدة عن الحاجة.. لكن لحظة! هل لوجودنا حاجة حقا؟. لا أعرف.
كانت تتكرر بشكل مخيف ومثير للهَلَع، أتحدث مع صديق لا أفارقه.. فيخبرني بقصته ويذكرها
ألتقي بعزيز لم أره منذ أكثر من سنة، فيقولها كما لو كانت شيئا عابرا
أقابل إنسانا أحبه.. فيكررها مرة أخرى!
"الخوف".. كانوا يصفونه جميعا، أحدهم "رَأى وأبصر" وآخرُ "أيقن وتفكَّر" والثالث يعاني في حياته "ويتمنى لو كان في رَمْسٍ مُغبرٍّ"..
وأنا؟
من أنا أصلا؟
كانت ملاذي الأثير، تلك الصفحات الصفراء العتيقة، بأصواتها الرعدية وهديرها الصاخب، كما لو أن شلالا يسقط من أعلى، والمسافَةُ؟ المسافة الزمن.. كيف سيقع شلال بعد اثني عشر قرنا من الانسكاب؟
لا أعتقد أنه أقل من جلاميد امرئ القيس بسيولها الجارفة وارتعاشة صورتَي الكَرِّ والفر.
واليوم..
أمسكتُ كتابا
فأدركتُ ما فقدت
ذاك التوافق بين الفعل والرغبة، بين الداخل والخارج، بين العطش للشيء، والتلذذ به، بين الحياة..
الحياةِ.. والمَعَاش.
كنت سأذكر الكتاب وعنوانه وإصداره ومؤلفه وعمَّ يتحدث.. لكن؟
ما الجدوى في الكلمات إن كان المعنى مخنوقا في كلمات تتبدل وتتغير، ويظلُّ هو "المعنى" لابسا ثوبه الصوفيَّ الأبيض العتيق يتجولُ مع الماعز التِّبتِي في رَحِم السماء وبؤرتها القصيَّة.
يكفي أنه كتاب عن شخص أحبه، ألفه شخص أحبه، وبطبعة أحبها..
أما ما في الكتاب؟
فالأحرى أن أقول "ماذا ليسَ فيه؟"
ومرة أخرى.. لا يتعلق الأمر بالكلمات والمحتوى، لكنه بالـ concept تحديدا..
"كان غوغان خائفا من أن يغدو كاسرا للمدرسة الأثيرية محطما لها كصديقه فان جوخ" قال صديقي
أما الآخرُ..
فكان خائفا من أن لا ينجح!
والثالثُ
يخاف من الحياة.. يخاف أن تكون له قيمة، أن تكون سِنِيُّه السابقة جِلدا عَفِنًا آن أوان طَرْحِه والانطلاق بخبرة من عَرف وجرَّب.
أتذكر كلمة قديمة قرأتها أو سمعتها، وهي أن البشر متساوون في أنهم "لديهم 24 ساعة في اليوم، وأنهم يموتون" ولربما هذا ما قَصَدَه لَبيد بن ربيعة ذات يوم حين قال
"وكُلّ نعيمٍ لا مَحالة زائل"
أما الكتاب، فعلَّمني أن أحترم ما بيدي، وما هو طوع مقدرتي وباسطاعتي. ومن المثير للسخرية أن ما كان يقضُّ مضجع أحد أعظم العقول البشرية والذي غيَّر عالمنا الذي نعيش فيه اليوم واجتثَّ ما قَبلَه من جذوره.. مثير للسخرية أنه يخاف مما نخاف، ويخشى ما نخشى، ويأمل ما نأمل.. فلكأن الإنسانَ هو الإنسان، وما يتغير فيه محض أدواتٍ زائلةٍ متغيرةٍ بتغير الزمان.
لم أكتب منذ مدة طويلة تدوينة كهذه بلوحة مفاتيح الهاتف، لكن استعصاء وصولي إلى حاسبي المحمول، وتلك البراكين التي لم تخمد منذ أسابيع.. جعلت من هذه الكلمات انفلاتا لهيبة البركان وسكونه، أو ما الضير في أن يكون نَفْثًا؟ أليست تلك الحقيقة العربية القديمة "لا بد للمصدور أن يَنْفُث" جديرة بالاختبار؟.
ولأول مرة أشعر أنني لا أحتاج إلى أن أراجع ما كتبت، قد يقرأها أحدهم "تبريرا للقارئ" أو "اعتذارا إليه"، لكن تركيزي المنصب على الـ Concept أفلتَ من يدي، ومضى يعرِفُ طريقا للعاطفةِ، هَرَبا من العقل..
فأين المفر!
01:35 AM | 13-9-2026
تعليقات
إرسال تعليق